تعجّب (جيف) عندما أغلق المكالمة. لماذا طلب منه البائع
أن ينزل ليقابله في تلك المنطقة بجوار الجسر؟ لقد قال له البائع أنها منطقة وسط
بما إنه يسكن مدينة أخرى مجاورة. عموماً لا بأس؛ فممر السكة الحديدية الجنوبية على
طريق كوليشستر لا يبعد سوى بضعة أميال عن بلدة (كليفتون) التي يعيش فيها.
لكن، لماذا المقابلة ليلاً بعد نصف ساعة؟ حاول التملّص
من تلك الفكرة التي جاءت له. الحقيقة أنه لا يصدّق في الخرافات ولا الأساطير الحضرية، كما أنه رجل علم يؤمن فقط بما هو أمامه، واحتمالية أن....
لا تفكّر.
قالها لنفسه وقام ولبس ملابسه كي يستعدّ للنزول. ركب
سيارته وتحرّك بها نحو العنوان واقشّعر بدنه عندما ظهرت له الكلمة التي كان
يتحاشاها في محرّك البحث في خرائط جوجل. من الأحمق الذي يصدّق هذا؟
ها قد وصل. الأجواء قاتمة حقاً. قال لنفسه "تباً لك
يا جيف. هل تصدّق؟". قرّر أن يمكث في سيارته لحين وصول البائع ويرنّ عليه.
ها هو يرّن. فتح المكالمة وسمع الصوت يقول له.
-لقد وصلت.
تنفّس (جيف) ونزل من السيارة ونظر حوله حيث لا أحد غيره
في المنطقة المهجورة الخائفة من تلك الحكاية التي تدور حول..
لا تفّكر!
تباً لعقلي الذي يسرح بي رغماً عني. قالها لنفسه وهو يقول
للمتصل.
-أين أنت يا سيدي؟
-هل ترى الجسر؟
هل كاد قلبه يتوّقف هنا؟ الجسر بالذات هو المنطقة التي
عليه أن يتحاشاها، وألا يفكّر في الاقتراب أكثر وإلا...
-أين أنت؟
أعادها من جديد وقال المتصل.
-أنا تحت الجسر. هل تراني؟
بلع ريقه وهو يقول بنبرة خائفة.
-من.. من فضلك.. هل تخرج قليلاً كي أراك؟
سكت المتصل ولكن (جيف) سمع صوت خطوات على الخطّ وكسر
أوراق أشجار جافة، وعندما برز ذلك الجسد الخارج من أسفل الجسر المظلم قال المتصل.
-الآن.. هل تراني؟
كان الجسد الواقف أمام فتحة الجسر مُظلماً ولكنه استطاع
أن يتبيّن القليل من هيئته. كانت هناك على سبيل المثال تلك الأذان الطويلة أعلى
رأسه، وهناك ذلك الشيء الطويل الذي يتدلى من يده على الأرض. تحرّك (جيف) قليلاً كي
يرى أكثر على ضوء القمر والأضواء القليلة المتناثرة هنا وهناك أمام وخلف الجسر،
وعندما رأى شعر وكأن هناك المئات من الأشباح يتوّغلون قلبه ويعتصرونه. كان المشهد
مريعاً وهو يرى ذلك الرجل بهيئة الأرنب أمامه، والفأس الذي يحمله.
وعندما رفع الرجل الأرنب يده تحيّة لـ (جيف)، كان الأخير
يجري هرباً من هذا الجحيم، وسرعان ما بدا له أن ذلك الكيان حوله في كل مكان. إنه
شبح إذن كما يقولون. سمع ذلك الصوت يترّدد.
-هل تظنّ أنك ستنجو من الرجل الأرنب؟ مسكين.
إنه في كل الإتجاهات الآن..
توّقف (جيف) عندما شعر أنه لا مفرّ من الأشباح وهجومها.
لا أحد ينجو من الأشباح إن وضعتك في عقلها الميّت. لا أحد ينجو من شبح قاتل يحمل
فأساً، حتى إن كان الفأس نفسه ينتمي إلى عالم الأشباح.
هل تظنّ أنك ستنجو يا مسكين؟
وفجأة سمع تلك الضحكات من خلفه. توّقف عن الهرب وهو ينظر
حوله، وفجأة وجد نفسه لا يصدّق أي شيء مما هو فيه. هو.... في النفق ذاته. داخل
النفق.
كيف حدث هذا؟ كيف؟ كيف؟
أخذ يردّدها وصوت الضحكات من خلفه. هو يعلم جيّداً أن
الرجل الأرنب القاتل هذا يقف خلفه. ربما لن يمنحه الوقت لكي يلتفت ويراه، وإنه على
الأرجح سيـ..
وقد حدث!
...
لقد أرسل لي أحدهم تلك القصة كي يثنيني عن الذهاب إلى
جسر كوليشستر، ولكني يا رفاق كما تعلمون، أحب المغامرة. كما أنني على يقين أن تلك
القصة التي أرسلها لي هي هراء محض -على الأقل هذه القصة فقط- لأن لا أحد يعلم حتى
هذه اللحظة أين ذهب (جيف). فقط تقول زوجته أنه كان يريد شراء ذلك الميكروسكوب
الجديد من الإنترنت ووجد ذلك الرجل (سوني) يعرض ميكروسكوبه للبيع.
(سوني)! إنه اسم لم تذكره تلك القصة التي أرسلها لي
أحدهم، وعموماً هذا لا يهمّ كثيراً لأن الشرطة قالت أن لا وجود لصاحب هذا الاسم
على شبكة الإنترنت.
ربّاه! هل تقول لي أن هذا هو الدليل القوي على أن (سوني)
الوهمي هو...؟
لا. من فضلك لا. سأذهب إلى الجسر وسأكشف الحقيقة
المنطقية التي تجعل من يذهب لهذا المكان يموت بطريقة بشعة أو -وهذا أغلب الحكايات-
يصاب بالجنون ويعود ليحكي لنا الهراء عن القاتل القديم الذي تم قتله ليطارد شبحه
الجميع في هذه المنطقة ويلبس ذلك الزيّ الجدير بلقبه..
الرجل الأرنب.
-تمت-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق