ما هي فكرة التضحيات البشرية؟
وما هي أهم الحضارات المعروفة بالممارسة دي؟
والسؤال الأهم.. هل قدم المصريون القدماء التضحيات
البشرية لملوكهم؟
...
عندما نشأت الحضارات وبدأت الممارسات الدينية تتخلّل كل
حضارة، حاول الإنسان أن يتقرّب من الآلهة ويسترضيها بالقرابين. يأتي هنا السؤال:
لماذا القرابين البشرية؟
لماذا؟
لم تكن القرابين البشرية منتشرة على نطاق واسع في
جميع الحضارات، بل كانت غالبًا تُمارس في أوقات الأزمات الكبيرة التي كان يتم تفسيرها
كغضب من الآلهة، مثل المجاعات والكوراث الطبيعية أو الحروب، أو لطقوس مهمة جدًا.
السبب في ذلك يعود إلى أن حياة الإنسان كانت تُعتبر (أثمن قربان) يمكن
تقديمه للآلهة، ولهذا يمكنني القول أنه تعددت الأسباب التي دفعت الحضارات القديمة
لممارسة التضحيات البشرية، ويمكن تلخيصها في عدة نقاط رئيسية:
- إرضاء الآلهة: كان يُعتقد أن التضحية بأغلى ما يملكه الإنسان -حياته- هو السبيل
الأسمى لتهدئة غضب الآلهة. فإذا كانت القرابين الحيوانية والنباتية كافية في
الأوقات العادية، فإن الأزمات تتطلب ثمنًا أكبر. كانت الحضارات تؤمن بأن
الآلهة بحاجة إلى الدم لتجديد قوتها وضمان استمرار الحياة والكون.
- ضمان الخصوبة والرخاء: في حضارات مثل المايا والإنكا،
كانت التضحيات البشرية، خاصة الأطفال، تُقدم لآلهة المطر والخصوبة لضمان
مواسم حصاد وفيرة. كان يُنظر إلى دم القربان على أنه "غذاء" للآلهة
التي تتحكم في دورة الحياة.
- الطقوس الجنائزية: في بعض الحضارات -كما سأشير- كان يتم دفن البشر مع الحاكم
والنبلاء، وهذه الممارسة كانت تهدف إلى توفير كل ما يحتاجه الحاكم أو النبيل في
عالمه الجديد، ولم تكن بالضرورة لتقديمها كقرابين مباشرة للآلهة.
- الرمزية
والسيطرة: كانت
القرابين البشرية أحيانًا وسيلة للحاكم لإظهار قوته المطلقة على شعبه،
وإقناعهم بأن سلطته مستمدة من الآلهة. كانت هذه الطقوس بمثابة عروض مسرحية
تهدف إلى بث الخوف والاحترام.
حسناً.. ما هي إذن أبرز الحضارات التي
مارست تلك العادة الشنيعة.. التضحيات البشرية؟
القرطاجيون
![]()
By M.Rais - Own work, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=12113948
تُعتبر
قرطاجة، الحضارة الفينيقية القديمة التي نشأت في تونس الحالية، من أكثر الحضارات
التي ارتبط اسمها بالقرابين البشرية، وخاصة قرابين الأطفال. تشير المصادر
التاريخية الرومانية واليونانية إلى أن القرطاجيين كانوا يمارسون عادة تقديم
أطفالهم كقرابين لإلههم بعل حمون وإلهتهم تانيت، خاصة في أوقات
الشدة مثل المجاعات أو الحروب، بل أن هناك البعض ممن يقول أن الآباء تعمّدوا تقديم
أطفالهم لمجرد زيادة ثرواتهم. تم العثور على مقابر أطفال تعرف باسم
"توفيت" في قرطاجة وفي مستعمرات أخرى، تحتوي على بقايا محترقة لأطفال
صغار، وهو ما فسره البعض على أنه دليل على هذه الممارسة. ومع ذلك، يرى بعض
المؤرخين أن هذه المقابر قد تكون مقابر جماعية لأطفال ماتوا بشكل طبيعي، وأن
الروايات الرومانية قد تكون مبالغًا فيها لأغراض دعائية.
الكنعانيون
بالنظر
إلى التاريخ الكنعاني والشعوب التي ارتبطت بهذه الحضارة، سنجد دلائل تشير إلى مولوخ
ذلك الإله الذي يتم تجسيده على شكل ثور معدني مجوّف بجسد إنسان، حيث يشير
الباحثون إلى أن سكّان تلك المنطقة كانوا يمارسون ما يُسمّى بـ (محرقة الأطفال)
حيث يضعون الأطفال داخل الإله ويحرقونهم وذلك لإرضاء هذا الإله الغاضب، وتم ذكر
هذا الإله في العهد القديم حيث يشير إلى توّرط أبناء إسرائـ"ـيل في هذه
الممارسات الوثنية الوحشية.
الصينيون
القدماء
![]()
By Gary Todd from Xinzheng, China - Shang Chariot Burial with Human Sacrifice, CC0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=103252816
التضحيات
البشرية كانت شائعة جداً في الصين القديمة، وبالتحديد في عهد الأسرة شانغ. كما أن
الحفريات وجدت دلائل على التضحية بالشباب والفتيات العبيد ودفنهم مع الأباطرة بطرق
عنيفة وغير آدمية على الإطلاق، بل وإعتبار هؤلاء الأفراد كممتلكات للإمبراطور لا
أكثر سيخدمونهم في الحياة الأخرى، وأبرز مثال على هذا يتجسّد في الإمبراطور تشين
شي هوانغ موّحد الصين والذي بنى ضريح تيراكوتا حيث يضمّ الضريح آلاف
التماثيل الطينية لجنود وخيول وعربات في مشهد مهيب، والأمر لا يتوّقف هنا بل تشير
السجلّات أن خليفته أمر بقـ"ـتل ودفن المحظيات اللواتي لم ينجبن أطفالاً
للإمبراطور لخدمته في العالم الآخر وجميع العمّال والبنّائين الذين عملوا على
الضريح حفاظاً على سريّة المقبرة.
السلتيون
مارس السلت
طقوسهم الدينية والتي كانت تتضمن القرابين البشرية، حيث نرى أنهم كانوا يصنعون
تمثالاً من القش والأخشاب واسمه رجل الخوص ثم يلقون بداخلها جميع أنواع الأضاحي
مثل الماشية والحيوانات والبشر، ثم يشعلون النار في هذا التمثال.
بلاد ما بين
النهرين

https://www.facebook.com/photo/?fbid=122239617590171651&set=gm.1718209735726362&idorvanity=1438524067028265
في مدينة أور
تم العثور على المقابر والتي تحمل الوجه الآخر لهذه الحضارة، فعثروا في مقبرة
الملكة بوابي على 52 جثة مدفونة بصحبة الملكة، ويتكرر هذا المشهد حيث تم
العثور على هذا الطقس الجنائزي كجزء من طقوس دفن العائلات الملكية والنخبة، وذلك
من خلال التضحية بخدم القصر والمحاربين والجواري لمرافقة أسيادهم إلى العالم الآخر
وتتعدد طرق وضع الضحايا بعد قتلهم بطرق وحشية؛ فالمحاربين يحملون أسلحتهم والجواري
يتم تزيينهن بغطاء للرأس.
جثث المستنقعات
![]()
By Nationalmuseet, CC BY-SA 3.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=48076830
فيما سبق رأينا
أن التضحيات البشرية كان تُمارس ضد العبيد والخدم وعامّة الناس.. أليس كذلك؟ ماذا
عن تلك الجثث التي عثروا عليها في مستنقعات أيرلندا والتي هي جثث لملوك وسادة؟
نعم ملوك، حيث
أشارت الفحوصات على هذه القرابين أن أصحابها لم يكونوا يحظون بمعاملة سيئة في
حياتهم وبسبب المقتنيات الثمينة التي تم العثور عليها مع الجثث والتي كانت تعاني
قبل موتها؛ فإحدى هذه الجثث -هي مومياء تُدعى تولوند- تم العثور عليها مع
حبل حول رقبتها وحولها جثث مخنوقة حفظتها الطبيعة الغريبة في المستنقع.
يُفسّر البعض
هذا الأمر حيث يعتقدون أنهم ملوك قدّمهم شعبهم كضحايا لطقوس دينية ما.
الإنكا والأزتيك
![]()
By grooverpedro - https://www.flickr.com/photos/116565391@N02/12336665294/, CC BY 2.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=31011225
سواء
في حضارة أمريكا الجنوبية أو المكسيك في أمريكا الوسطى، سنجد إهتمام هذه الشعوب
بفكرة القرابين البشرية وخصوصاً للحماية من الأخطار والكوارث وغضب الآلهة؛ فإعتبرت
إمبراطورية الإنكا أن الأطفال هم أنقى القرابين التي يمكن تقديمها، ولهذا تم تربية
بعض الأطفال خصيّصاً لتقديمهم للإله مع وعد بأنهم بعد الموت سيكونون في مكان أفضل
وأسعد.
| By Unknown author - Extract of Codex Magliabechiano (cf. FAMSI (Foundation for the Advancement of Mesoamerican Studies, Inc.), Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=7828418 |
أما
الأزتيك فآمنوا أن التضحية بالدمّ البشري سوف يفيد إله الشمس هويتزيلوبوتشتلي ويمّده
بالغداء والسكينة وبالتالي سيحمي الدمّ البشري الشمس من الفناء، وبناء على هذا
مارس شعب الأزتيك الضحيات البشرية بأبشع الطرق الممكنة، حتى أنه يُقال أن القرابين
يتم تقديمهم ويطلب الكاهن من القربان الصعود على درجات المعبد وعندما يصل الشخص، يقوم
الكاهن بشقّ بطنه ويقطع حلقه ويقدّم القلب إلى الإله، وأخيراً يتم تمزيق الجثة في
أسفل المعبد.
المصريون
القدماء
لستُ
متفاجئاً.. أليس كذلك؟
على
عكس الحضارات الأخرى، لا يوجد دليل قاطع على ممارسة المصريين القدماء للتضحيات
البشرية على نطاق واسع. كانت الممارسات الجنائزية المصرية القديمة تشتمل على دفن
الخدم مع الملك المتوفى، لكن الأدلة تشير إلى أن هذه الممارسة توقفت مبكرًا في
التاريخ المصري واستُبدلت بوضع تماثيل رمزية (أوشبتي) للخدم في المقابر.
كان الغرض من ذلك هو مساعدة الفرعون في الحياة الآخرة، وليس إرضاء الآلهة.
بعض
الروايات تشير إلى أن المصريين القدماء كانوا يقدمون قرابين بشرية في بعض الطقوس
الدينية، لكنها لم تكن ممارسة منتظمة أو واسعة الانتشار مثلما كانت في حضارات
أخرى. بشكل عام، كان التركيز في الديانة المصرية على القرابين الحيوانية والنباتية.
الخلاصة
ممارسة القرابين البشرية في الحضارات القديمة كانت ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه. كانت تنبع من الاعتقاد بأن تقديم أغلى ما يملكه الإنسان - حياته أو حياة أحبائه - سيؤدي إلى نتائج إيجابية على المدى الطويل. ورغم اختلاف هذه الممارسات من حضارة لأخرى، فإنها تُظهر جانبًا من جوانب العلاقة بين الإنسان والآلهة في تلك العصور. هذه الممارسات، التي تبدو وحشية من منظورنا الحديث، كانت تُعتبر في وقتها جزءًا طبيعيًا من النظام الاجتماعي والديني، وهي الآن مصدر غني للدراسة والفهم العميق للتاريخ البشري.
المصادر وللمزيد:
10 Ancient Cultures That Practiced Ritual Human Sacrifice
من قرطاج إلى بلاد الرافدين وأوروبا.. 6 اكتشافات مرعبة عن التضحيات البشرية في العالم القديم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق