منذ تلك الأزمان، اختلطت الحقيقة مع الخيال،
وأصبحت الأوهام هي السائدة في النفوس. منذ أن عرف الإنسان أن لديه عقلاً يفكّر،
وهو لا يعرف ما الذي يمكن لعقله هذا أن يفعل كي ينقذه أو يريحه أو يتلاعب به..
أكتب هذه الرسالة الخاصة بعد تلك القضية
الغريبة التي صادفتُ فيها هذه الحالة التي دخلت بيتي في الساعة المتأخرة ثم أخذت
تحكي..
-دكتور هيل.. أنا أرى وأسمع.
كانت فتاة لها ملامح إنجليزية. نحيلة تعاني
من فقر الدمّ كما هو واضح، ولكنها كانت مرتابة. نظرتُ إليها وكوب الشاي أمامها وطلبتُ
منها ان تكمل بدون أن أسألها بإشارة منيّ عما تراه وتسمعه..
-في.. في ذلك الصباح زارتني صديقتي وأعطتني
قارورة وقالت لي ستتزوجين يا أنابيل.. شكرتها ثم نظرتُ إلى القارورة وذلك السائل
الرمادي يترجرج بداخلها، وبدون أي تردّد صار السائل يتدفق بداخلي وبعدها...
نظرت لي وقالت.
-يا دكتور.. هل أنا مجنونة؟
صار سؤالها يتدّفق بدوره بداخلي، وقلتُ لها.
-أكملي من فضلك لأجيب.
-بعدها غادرت صديقتي، وخرجتُ لأختبر مفعول
هذا السائل و... هل تصدّقني إن قلتُ لك أن الشبّان كانوا يسيرون خلفي كمن تم
تنويمهم بشكل ما؟ كانت لي جاذبية لم أفهمها وحتى بعدما عدت إلى المنزل كسروا الباب
كي يدخلون لي.
أمسكت كوب الشاي وتجرّعت ثم وضعته وأكملت.
-كنت في حالة تتيح لي أن أختار أقواهم
وأوسمهم وطلبتُ منه البقاء وطلبتُ من الجميع الرحيل ولكن الأمر لم يكن بتلك
البساطة، فقد رفضوا وتشاجروا مع الأقوى والأوسم هذا ورحلوا رغماً عنهم وبعدها قال
لي: تزوجيني. وافقتُ وأعلنّا خطبتنا في نفس اليوم وإذ بي أجد نفسي في حضور الناس
في قاعة فخمة وأنا العروس.. هل تتخيّل؟
سألتها..
-هل ذهب أثر التنويم هذا عن زوجك بعدها؟
-لا.. لقد مات زوجي ليلتها.
-مات؟؟؟
هزّت رأسه وقالت.
-لم يتركوه الشباب يظفر بي فدخلوا القاعة
وطعنوه حتى الموت، وتصارعوا على الظفر بي وقتل بعضهم بعضاً حتى أن الجميع أخذ
يتقاتل فيما بينهم لأجلي... هربت النسوة ذعراً مما حدث لأزواجهن وللشباب وصرتُ
وحيدة وحولي عشرات الجثث. كانت صديقتي هذه معي وقالت لي أنني مسكينة، ولكني صرختُ
فيها أنها السبب وكدتُ أهاجمها لولا أنها هربت. كنتُ أعلم يا سيّدي أنك تحقق في
تلك الأمور والجرائم الغريبة و.. ها أنا أمامك.
-أنتِ بحاجة إلى الشرطة لتذهب معك إلى مسرح
الجريمة..
-مستعدة لهذا ولكن.. ستذهب معي.
قامت وقمتُ خلفها وأنا أفكر في أن هناك مسرح
جريمة لم يكتشفه أحد بعد في شوارع (ترانسلفانيا) الكئيبة.
لا أعلم ما الذي حلّ بي بعدما خرجتُ من منزلي
بصحبتها وهي أمامي؟ قرّرتُ ألا أركّز كثيراً على هذه الخيالات. طرقتُ باب رئيس
الشرطة فخرجت زوجته وسألتها عن الرئيس ولكنها ذكرت لي جريمة فيها جثث كثيرة و..
نعم لقد فهمتُ.
لقد سبقتني الشرطة على كل حال.. لا بأس، فالجاني
معي الآن.. هل تستحق تلك الجميلة أن تكون هكذا؟؟ ماذا قلتُ؟ لا.. لا.. سأركزّ على
طريقي.
نظرتُ إلى (أنابيل) وقلتُ.
-سترشديني إلى المكان.
ركبنا عربة خيل وأشارت الفتاة بالعنوان وقال
لها.
-سأذهب معك إلى حيث تريدين..
شعرتُ بالغيرة وأنا أسمع ردّ هذا الوغد على..
لحظة! غيرة؟؟ ماذا يحدث لي؟؟
وصلنا المكان وأشارت لي الفتاة إلى المبنى..
الفتاة (فلورين).
فلورين؟؟ هي حبّ حياتي. أول فتاة عرفتها في
حياتي. الفتاة التي سأحظى بها اليوم بعد طول غياب.
سارت (فلورين) بدلال ودخلت المبنى.. مسرح
الجريمة. نظر لنا الجميع. نظر لي رئيس الشرطة ونظر لها ثم سار نحوي ولكمني قائلاً.
-من أنت لتحضر مع كارينا؟؟
صحتُ فيه وقد دبّت نار الغيرة الشعواء داخل
روحي، وأنا أهاجمه بدوري وقلتُ له.
-فلورين لي.. أتفهم؟؟
حولي كان الجميع يتشاجرون.. تركوا الجثث على
الأرض، وكانوا يتشاجرون من أجل (ماريلا) و(سيلفيا) و(إيلي) و(دانييلا) و(أندريا)
و(ماريا) و(أدا) و... وكلهم نفس الفتاة.
أنابيل..
لكن في وقتها كنت أراها حبيبتي (فلورين)..
حبيبتي التي عشتُ معها أفضل أيامي قبل أن أذهب في سكّة التحقيقات وأرى العالم
المخيف من حولي..
كان رئيس الشرطة يستعدّ للدفاع عن حقّه ولكني
ابتعدتُ عندما رأيتُ غدّارته تخرج من حزامه و... لن يقتلني من أجل حبيبتي.. إنها
حبيبتي أنا.. و.. اختبأتُ في مكان وأخذ يبحث عني بصوته المسعور. أخذتُ أراقب
الرجال يتقاتلون ويقتلون بعضهم بعضاً ولكني شعرتُ براحة مفاجئة..
نعم.. لقد شعرتُ به يدخل ولوهلة سمعتُ صوته العميق
يصيح..
-(مينا)؟ حبيبتي؟
لو كنتم لا تعلمون، فإن صاحب الصوت هذا هو
صديقي الغريب (فلاد دراكولا). نعم.. دراكولا بشحمه ولحمه إن كنتم لم تقرأوا
الرسائل السابقة.
-لا.. أنتِ لستِ مينا. أنتِ خادعة.
لدى (دراكولا) قدرة رهيبة على محو أي تأثير
سحري خارجي، ولهذا وجدته ينظر حوله بصورة واقعية.. الجميع يتشاجر ويتقاتل من أجل
فتاة لا يعرفونها. إنها سحرتهم ولا شكّ.
ولكن.. رئيس الشرطة قد وجدني ووجّه لي الفوّهة
وهو يقول.
-كارينا لي أنا يا هيل.. أتفهم؟
ثم نظر إلى سلاحه فجأة ولي وألقاه من يده
وهرش خلف رأسه وقال.
-ما الذي يحدث؟؟
نظرتُ إلى (فلورين) ولكني لم أجدها.. بل كانت
(أنابيل).
أنابيل فقط..
كانت الفوضى عارمة، والفتاة واقفة تمسح فمها
و(فلاد) أمامها مباشرة.
انتهى كل شيء، وعاد الجميع إلى رشدهم وبدأ
رئيس الشرطة ينظر حوله إلى الفوضى الجديدة والقديمة وهو يتساءل عمّا حدث هنا منذ
اللحظة التي ظهرتُ فيها بصحبة الفتاة، لكن الفتاة كانت حزينة تنظر واقتربت من رئيس
الشرطة وحكت له حكايتها مع المشروب الذي قدّمته لها صديقتها و...
أما (فلاد) فكان يقف خلفها وقال عندما وصلت
إلى المشروب وقال.
-جالب العشق..
نظرنا له وقال.
-إنه اسم ذلك المشروب السحري الذي تجرّعته
الفتاة. اللوم لا يقع عليها، بل على صديقتها (نيكول). سنذهب إليهم فهي الجاني في
تلك القضية.
...
بعدما تم القبض على الفتاة الساحرة (نيكول)
التي أثّرت على (أنابيل)، عُدت مع (فلاد) وذهبنا إلى بيتي قبل شروق الشمس كما
تعلمون. جلستُ أمام ذلك المنقذ وشكرته وسألته عمّا فعله هناك مع الفتاة كي تنتهي
هذه اللعنة. قال لي.
-لقد أثّرت عليّ في البداية.. تخيّلتها..
ابتسمتُ له وقلتُ.
-مينا.. نعم لقد سمعتك.
أكمل هو كلامه قائلاً.
-ولكني استطعتُ السيطرة على هذا السحر ومحوته
من عليّ، ولم أضطر وسط المقتلة التي كانت في المكان سوى أن أنظر إلى الفتاة وأنت
تعلم..
-التنويم المغناطيسي.. نعم.
-هكذا.. أمرتها أن تخرج كل ما في بطنها من
هذا السائل. وقاءت..
هكذا إذن، كما توّقعتُ بعدما رأيتها تمسح
فمها.
هكذا انتهت تلك القضية التي -كالعادة- كان
البطل فيها هو (فلاديسلاوس دراكولا) الذي يظهر في القضايا الني تستهويني فعلاً..
تلك القضايا الخارقة للطبيعة والفهم البشري.
(د.ستاتشو هيل- أكتوبر 1887- ترانسلفانيا)
(هذه الرسالة تُعتبر رقم 23 والتي تم العثور
عليها من مذّكرات الدكتور ستاتشو هيل وتم نشر الرسائل الـ 20 الأولى في كتاب
بعنوان رسائل د. هيل في عام 2015 وبعدها تم العثور على الرسالة الـ 21 في 2016 وتم
نشرها في 4 أكتوبر على فيسبوك والرسالة الـ22 وتم نشرها في9 و 10 و11 أكتوبر عام
2016 على نفس المنصة في 3 أجزاء بعنوان من حكايات د. هيل: حكايتي مع راسبوتين)
-تمت-




