صيف 1487 م
تندفع الحشود في شوارع تينوتشتيتلان وهي العاصمة الواقعة فوق جزيرة في وسط بحيرة تشكوكو المكسيكية. الحشود تجرّ وتدفع بعضها بعضاً.. يهمهمون بالترانيم والأدعية وهم يرفعون رؤوسهم نحو الشمس الساطعة فوقهم. سمع البعض أن الشمس كانت غاضبة عليهم أشدّ الغضب بسبب حرارتها، ولهذا طلب الكاهن الأعظم أضحيات تنقذ شعبه العظيم من هذا الغضب واللعنة، ولعل الحرارة تُخفّ قليلاً ويرضى عنهم الربّ.
تصل الحشود وتقف وتنظر إلى البناء المدرّج الضخم فوقهم، حيث تسكن الشمس الغاضبة فوق أعلى نقطة. تراقب الحشود ما الذي سيحدث، وتعلم أن ما سيحدث سيجعل الشمس تهدأ لأيام قليلة -ربما- قبل أن تعلن غضبها من جديد؛ فعلى حسب تذّكرهم أن الشمس غضبت في هذا العالم منذ بدء الحرارة.. 502 مرة وهذا تطلّب...
قطع انتظار الحشود صوت من الأعلى يصيح..
-أهلاً بالرعيّة في معبد هويتزيلوبوتشتلي العظيم. أهلاً بالتطهير..
صاحت الحشود أسفل منه، ونظر الكاهن صاحب الصيحة من أعلى المعبد والذي يلبس الزيّ الاحتفالي؛ عبارة عن قطعة قماش tību ملفوفة حول جسده بألوانها الحمراء والبرتقالية ومزخرفة برمز الشمس، وقلنسوة مزيّنة بالريش الثمين فوق رأسه تُدعى Copilli .. نظر إلى مساعديه بألوانهم ردائهم الساطعة حول الخصر، ثم نظر إلى عشرة رجال يجثون أمامهم على رُكَبِهم وأيديهم مُقيّدة خلف ظهورهم، وهناك قطعة من القماش في أفواههم. أشار الكاهن إلى الرجال وقال لهم بلغة الناهواتل.
-أنتم أداة تطهيرنا في هذا اليوم...
تعالت أصوات الحشود بالأسفل. أما الرجال فنظروا إلى الكاهن والدموع تغرق أعينهم. يبدو على ملامحهم أنهم لا يريدون تلك النهاية. هم لا يريدون أي شيء سوى الحياة. هم لا يفهمون حتى سبب اختطافهم وجلبهم إلى هنا من مدينتهم البعيدة.. نظر واحد منهم إلى الكاهن وهمّ أن يتحرّك جالساً كمحاولة يائسة لتحرير نفسه، ولكن تلك الركلة من الخلف أوقعته على وجهه فسكت، وحاول آخر أن يقوم ليتفاجأ بقدميه المقيّدة تمنعه من أي شيء!
لقد قُضي علينا..
عبّر عنها أحدهم بملامح وجهه وهو ينظر لرفاقه، ورفع رأسه نحو الكاهن الذي كان يشير إليهم للحشود في الأسفل قائلاً بصوته الجهوريّ..
-هم غذاء الشمس والضوء.. هم الزاد.. من فضلكم أيها الشعب العظيم.. أشكروا ضحاياكم.
وتعالت الصيحات من الأسفل بعبارات وكلمات الشكر والامتنان.. في تلك الأثناء دخل أحد المساعدون داخل غرفة في المعبد وخرج حاملاً التمثال الصغير للمسخ المرعب.. لا ليس مسخاً.. بل هو هويتزيلوبوتشتلي. قدّم المساعد التمثال للكاهن الذي رفعه للرعيّة فتعالت أصواتهم من الأسفل بالدعوات، ثم خطا عدة خطوات لأحد الضحايا ووضع التمثال أمام وجهه قائلاً.
-العظيم يشكرك.. هويتزيلوبوتشتلي يشكركم جمعاً يا أبناء الشمس. نعم ستكونون أبناء الشمس قريباً.. أليس هذا يدعو للفخر؟ انظروا.. هيّا انظروا إلى الداخل. ستجدونه يقف..
أشار إلى مساعده فدخل وغاب بعض الوقت قبل أن يلمح الضحايا ذلك الوجه البازلتي الغريب يظهر على شعاع الشمس! إنه الوجه المرعب.. وجه.. إله الشمس المسخ؟
شهق العشرة رُعباً عندما هبّ الوجه البشع بعينيه الحمراء في وجوههم ولكن... هذا كان الخوف؛ خلق الأوهام التي لا وجود لها.
سمعوا ضحكة الكاهن الذي قال.
-أرأيتم؟ إله الشمس العظيم يريدكم بداخله..
ثم نظر إلى الحشود أسفل منه وصاح قائلاً..
-شعب الأزتيك العظيم. شعب تينوتشتيتلان. حان الوقت لتشهدوا.. فلتبدأ الطبول.
ومن كل مكان تعالى صوت الطبول، مع ترانيم أخذت تتردد على إيقاعها. بدأ الجميع يخشعون وهم يرفعون وجوههم نحو الشمس ويردّدون المزيد، في حين أشار الكاهن إلى أحد المساعدين ليساعد الرجل الأول على الوقوف. مدّ الكاهن يده ليعطي المساعد الآخر سكيناً نُقش عليه الشمس. أمسك المساعد الرجل الأول الذي حاول بكل قوته التملّص، ولكن.. لا مفرّ. اقترب الكاهن من الرجل ووضع طرف السكين عند بطنه، ثم دفعه لينغرس وحرّك السكين من الداخل عبر البطن كلها لتتساقط الدماء والأحشاء على الأرض.. سقط الرجل أرضاً وهو يرتجف وينتفض قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. اقترب الكاهن من الرجل الثاني وكرّر الأمر، ثم الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع.. والأخير. كل هذا وسط صيحات وترانيم الحشد وصلوات الكاهن نفسه المصاحبة للطبول والأصوات.
رفع الكاهن سكينه الغارق بالدماء إلى السماء وراقب الجثث المتفرّقة أمامه، ورفع وجهه للشمس قائلاً.
-إليك.. إليك.. إليك..
و.. فجأة سرت رجفة في أجساد الجميع.. نشوة روحية؟ فجأة.. ظهرت رياح حارّة في السماء. فجأة.. ظهر ذلك الجسد من الأعلى. زادت الرجفة لدى الجميع وهم يراقبون الجسد المرعب الساقط من الشمس. ابتسم الكاهن وهو يقول.
-إلهنا العظيم.. أهلاً.
ظهر الجسد بوضوح مع صولجانه وهو يقترب نحو أعلى المعبد حيث ينتظره الكاهن والمساعد الأول والثاني والثالث، والجثث العشرة بأحشائِهم. وقف الكيان على قدميه ونظر إلى الكاهن، وبدون أي كلمة.. وقف عند الجثة الأولى وجلس في لحظة، ثم بدأ يلتهم وهذه الزمجرة تخرج منه أثناء ما يفعله.
في تلك اللحظة أشارالكاهن إلى الحشود فتعالت الأصوات والصقفات والطبول أكثر، وهذا الكيان يلتهم أحشاء الجثة تلو الأخرى بسرعة جنونية، وعندما انتهى.. وقف الكيان وهمس بكلمات مبهمة للكاهن ثم وقف حيث الحشود أسفل منه ورفع صولجانه فارتفعت أصوات عبيده وصاح صيحة مخيفة هي أقرب إلى زئير لا ينتمي إلى أي كائن حيّ آخر.
ارتفع عن الأرض وهم ينظرون إليه، وبدأ الجميع يردّد.
- هويتزيلوبوتشتلي.. هويتزيلوبوتشتلي.. هويتزيلوبوتشتلي..
الشمس.. إله الشمس.. الحياة.. الحياة..
غاب الكيان في السماء حيث شعر الجمع بضوء الشمس وحرارته أخفّ وطئاً من السابق. لقد زالت اللعنة.. مؤقتاً. تحمسّ الجميع في الأسفل وهم ينتظرون الإشارة الأخيرة من الكاهن، وقد كانت.
وصلت صيحات الحماس إلى أقصاها وهم يرون أول جثة تُلقى إليهم فوق سُلّم المعبد، وهنا تدافع الناس بعضهم بعضاً للوصول إلى الجثث التي تتوالى سقوطها من الأعلى. من استطاع اللحاق فهو من حظّ الدنيا أقرب، حيث تعالت الصيحات الشرسة وهم يجذبون تلك الذراع من الجثث ويلتهمون تلك السيقان وبدات السكاكين تقطّع أي جزء من الجثث العشرة وسقطت رؤوس الضحايا تحت الأقدام فتدفعها اليافعات والنسوة بأقدامهن لبعضهن البعض قبل أن تلحق إحداهن وتمسك الرأس وتنهش فيها.. الأذن والأنف وتلقيها إلى أخرى وهكذا.. يحمل الرجال الاذرع والسيقان واللحم ويجرون في الأنحاء وهمّ يأكلون ويلتهمون. أما الفتية والأطفال فوجدوا ما تبقى من الجثث من عظام وأحشاء داخلية.
من كانوا يُطبّلون تركوا الطبول مع الوقت وأسرعوا للحاق بهذا التشريف العظيم؛ ببعض الدماء أو ببعض الأجزاء الأخرى.
مرّت الساعات والجميع في حالهم الدموي المجنون وهنا وقف أحد الناس وفي يده عظمة قد التهم ما عليها من لحم وصاح لزوجته.
-الشمس ستغيب اليوم. العظيم سيغيب اليوم.
وكانت تلك الجملة كافية ليترك العظمة من يده، وزوجته وضعت بقايا الأذن في فمها ومضغتها ثم أمسكت يد زوجها والدماء تغرقها وسارا وسط الحشود للعودة إلى المنزل.
وعندما انتبه الجميع إلى الغروب.. كانت تلك الإشارة الإلهية..
-تمت-

.png)
.png)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق