السبت، 13 سبتمبر 2025

العواجيز- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

 

*من الأحداث الحقيقية، وقعت هذه القصة*

  كانت صغيرة للغاية على هذا الفزع. في بدء الأمر، كانت لا تفهم ما هذا. سألت نفسها في عقلها: هل هم كهؤلاء؟ هل هم كأمي وأبي واخوتي وجدتي وخالاتي وأعمامي؟

  لكنها كانت صغيرة بما يكفي كي تصوغ هذا السؤال كما صغته، ومع ذلك فهي قد فهمت سريعاً أنهم ليسوا كهؤلاء!

 على سبيل المثال.. عندما نظرت إلى الرجل المسن بلحيته البيضاء المصبوغة بحنّاء غريبة اللون ووجهه الطيب والذي كان يقول لها دعابة ما، فضحكت.. ولكن عندما سألتها أمها عمّا يضحكها وأشارت ببراءة إلى العجوز قائلة.

-إنه هذا.. الرجل.. العجوز.

الرجل العجوز


 كانت الأم تنظر إلى الرجل ولكنها سرعان ما تنظر إلى صغيرتها قائلة.

-أين هذا؟

وفي تلك اللحظة فهمت الصغيرة أن هذا الرجل لا يمكن لأحد رؤيته غيرها، وبالتالي فإن تلك السيدة بالملابس السوداء والبشرة الغامقة والملامح القاسية، ليست موجودة هي أيضاً.

لماذا؟ لإنهما يريان بعضهما البعض..

هذه الفكرة -الخاصة بالسيدة العجوز- أخافتها.. فإن لم تكن من البشر كأمي وأبي، إذن.. من؟

كل هذه الأفكار جعلت معاناتها تبدأ، وخصوصاً عندما بدأت السيدة العجوز تظهر لها بملامح مخيفة أكثر ووجه مشوّه، وتقترب منها ولسانها المشقوق يخرج من فمها.. هنا صرخت الفتاة! صرخت وهي تشير إلى السيدة المسخ قائلة.

-السيدة العجوز!! السيدة العجوز!!!

السيدة العجوز! السيدة العجوز!

..

بدأ الجميع حول الفتاة يفهم أنها ترى! لكن.. أهي أوهام وخيالات الأطفال؟ قرّر الجميع التعامل معها من هذا المنطلق حتى لا يخافوا، ولكن... الفتاة ترى وتسمع.. ترى تلك الأطياف السوداء تتحرك فوق كراسي الصالون.. ترى هذا الوحش يطير في المنزل وخصوصاً عند تشغيل القرآن على التلفاز! كانت تصرخ وتبكي، وابن خالتها يفعل مثلها، وهي لا تفهم أهو يرى ويسمع؟ أم أنه فقط رأى ذلك الوحش الناتج عن الظلام في المنزل نتيجة.... هي لا تعلم ولا تفهم. هي فقط ترى وتسمع وتصرخ ولكن دائماً ما تأتي الطمأنينة على هيئة... الرجل العجوز.

الرجل العجوز يقترب ويبتسم، يُهدئ ويُطمئن ويقول أشياء توحي بمساعدتها؛ فوالدها الذي كان يسافر دائماً للذهاب إلى مزرعته بالقرب من محافظة أخرى كان يقود ذات يوم، ويومها جاء الرجل العجوز إليها وطمأنها أنه سيقف بجانبه ويراقبه ولن يظهر إلا عند مواجهة الخطر المحتمل.. لا قدّر الله.

وقتها شعرت الصغيرة بالراحة وهي جالسة وأمها تكلّم والدها على طريق السفر وعندما سمعت صوت أمها تقول..

-من؟؟ رجل بملابس ولحية بيضاء؟؟

هنا عرفت الصغيرة أن الرجل العجوز قد أوفى بوعده وإنه ظهر لمساعدة والدها ضد خطر ما فهمست..

-إنه الرجل العجوز..

كانت تعرف تفاصيل ما حدث من الرجل العجوز نفسه بعد الموقف مباشرة ولهذا لم تشعر بالمفاجأة عندما عاد الأب وشرح لأسرتها أنه عندما كان يقود وصعد ذلك الجسر، وجد ذلك الرجل الأبيض بعباءة ولحية بيضاء على جانب الجسر ينظر له.. وقتها شعر الأب بالخوف واسترجع حكايات ابنته عن الرجل والسيدة و.. لم يتوّقف ولكنه لوهلة شعر بطمأنينة عندما نظر للرجل الذي ابتسم له..

كانت تعرف كل هذه التفاصيل وعندما سألت الرجل العجوز في جلستها معه في غرفتها عن ما الخطر الذي كان ينتظر والدها وهو أنقذه؟؟ سكت الرجل وسرح قليلاً ثم قال.

-إنها أمور في عالمنا. الشرّ يا صغيرة في عالمنا تجاهكم أكبر مما تتخيلين.

-السيدة العجوز؟؟

ضحك الرجل وقال.

-لا.. السيدة العجوز مخيفة. أعلم هذا، ولكنها لا تؤذيكِ -بعيداً عن محاولاتها لمداعبتك بطريقة تخيفك- وبالتالي لن تؤذي عائلتك.

قالت وقد تذّكرت...

-هذه الوحوش؟؟ الكائنات المخيفة؟؟

-هم كذلك. أنتِ رأيتهم؟

-بلى.

-وأنا قد دافعت عنكِ وأعلنت قبيلتي الحرب عليهم ولكنهم..

-لكنهم ماذا؟؟

سكت الرجل وربت على رأسها قائلاً.

-لا تهتمي بالأمر.. فأنا هنا معك بإذن الله ولن أسمح بأي أذى.

أرادت أن تسأله عن سبب ظهوره لوالدها بشكله الأبيض كما وصف مع إنه يظهر لها بعباءة لونها مريح للقلب ولحيته البيضاء مخضّبة بالحناء ولكن جملته الأخيرة "لن أسمع بأي أذي" جعلها ترتعد مما ستراه.

ولكنها كانت ترى فعلاً بعدها أكثر وأكثر.. حتى فجأة صارت لا تراهم، ومع هذا كانت تشعر بوجود الرجل العجوز براحته النفسية والسيدة العجوز المخيفة ولكنها.. طيبة؟ لا تصدّق هذا مثلما لا يصدّق أهلها هذا.. هم على يقين حتى اليوم من أن السيدة العجوز شريرة.

كبرت الصغيرة وأصبحت لا تشعر بوجودهم كذلك، ولكن هذا لا يخفي الحقيقة: أنهم معها ويراقبونها حتى هذه اللحظة.. حتى بعدما كبرت الصغيرة وصارت شابّة.

 

-تمت-


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق