السبت، 15 نوفمبر 2025

أرنب كولشيستر- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

 


تعجّب (جيف) عندما أغلق المكالمة. لماذا طلب منه البائع أن ينزل ليقابله في تلك المنطقة بجوار الجسر؟ لقد قال له البائع أنها منطقة وسط بما إنه يسكن مدينة أخرى مجاورة. عموماً لا بأس؛ فممر السكة الحديدية الجنوبية على طريق كوليشستر لا يبعد سوى بضعة أميال عن بلدة (كليفتون) التي يعيش فيها.

لكن، لماذا المقابلة ليلاً بعد نصف ساعة؟ حاول التملّص من تلك الفكرة التي جاءت له. الحقيقة أنه لا يصدّق في الخرافات ولا الأساطير الحضرية، كما أنه رجل علم يؤمن فقط بما هو أمامه، واحتمالية أن....

لا تفكّر.

قالها لنفسه وقام ولبس ملابسه كي يستعدّ للنزول. ركب سيارته وتحرّك بها نحو العنوان واقشّعر بدنه عندما ظهرت له الكلمة التي كان يتحاشاها في محرّك البحث في خرائط جوجل. من الأحمق الذي يصدّق هذا؟

ها قد وصل. الأجواء قاتمة حقاً. قال لنفسه "تباً لك يا جيف. هل تصدّق؟". قرّر أن يمكث في سيارته لحين وصول البائع ويرنّ عليه.

ها هو يرّن. فتح المكالمة وسمع الصوت يقول له.

-لقد وصلت.

تنفّس (جيف) ونزل من السيارة ونظر حوله حيث لا أحد غيره في المنطقة المهجورة الخائفة من تلك الحكاية التي تدور حول..

لا تفّكر!

تباً لعقلي الذي يسرح بي رغماً عني. قالها لنفسه وهو يقول للمتصل.

-أين أنت يا سيدي؟

-هل ترى الجسر؟

هل كاد قلبه يتوّقف هنا؟ الجسر بالذات هو المنطقة التي عليه أن يتحاشاها، وألا يفكّر في الاقتراب أكثر وإلا...

-أين أنت؟

أعادها من جديد وقال المتصل.

-أنا تحت الجسر. هل تراني؟

بلع ريقه وهو يقول بنبرة خائفة.

-من.. من فضلك.. هل تخرج قليلاً كي أراك؟

سكت المتصل ولكن (جيف) سمع صوت خطوات على الخطّ وكسر أوراق أشجار جافة، وعندما برز ذلك الجسد الخارج من أسفل الجسر المظلم قال المتصل.

-الآن.. هل تراني؟

كان الجسد الواقف أمام فتحة الجسر مُظلماً ولكنه استطاع أن يتبيّن القليل من هيئته. كانت هناك على سبيل المثال تلك الأذان الطويلة أعلى رأسه، وهناك ذلك الشيء الطويل الذي يتدلى من يده على الأرض. تحرّك (جيف) قليلاً كي يرى أكثر على ضوء القمر والأضواء القليلة المتناثرة هنا وهناك أمام وخلف الجسر، وعندما رأى شعر وكأن هناك المئات من الأشباح يتوّغلون قلبه ويعتصرونه. كان المشهد مريعاً وهو يرى ذلك الرجل بهيئة الأرنب أمامه، والفأس الذي يحمله.

وعندما رفع الرجل الأرنب يده تحيّة لـ (جيف)، كان الأخير يجري هرباً من هذا الجحيم، وسرعان ما بدا له أن ذلك الكيان حوله في كل مكان. إنه شبح إذن كما يقولون. سمع ذلك الصوت يترّدد.

-هل تظنّ أنك ستنجو من الرجل الأرنب؟ مسكين.

إنه في كل الإتجاهات الآن..

توّقف (جيف) عندما شعر أنه لا مفرّ من الأشباح وهجومها. لا أحد ينجو من الأشباح إن وضعتك في عقلها الميّت. لا أحد ينجو من شبح قاتل يحمل فأساً، حتى إن كان الفأس نفسه ينتمي إلى عالم الأشباح.

هل تظنّ أنك ستنجو يا مسكين؟

وفجأة سمع تلك الضحكات من خلفه. توّقف عن الهرب وهو ينظر حوله، وفجأة وجد نفسه لا يصدّق أي شيء مما هو فيه. هو.... في النفق ذاته. داخل النفق.

كيف حدث هذا؟ كيف؟ كيف؟

أخذ يردّدها وصوت الضحكات من خلفه. هو يعلم جيّداً أن الرجل الأرنب القاتل هذا يقف خلفه. ربما لن يمنحه الوقت لكي يلتفت ويراه، وإنه على الأرجح سيـ..

وقد حدث!

...

لقد أرسل لي أحدهم تلك القصة كي يثنيني عن الذهاب إلى جسر كوليشستر، ولكني يا رفاق كما تعلمون، أحب المغامرة. كما أنني على يقين أن تلك القصة التي أرسلها لي هي هراء محض -على الأقل هذه القصة فقط- لأن لا أحد يعلم حتى هذه اللحظة أين ذهب (جيف). فقط تقول زوجته أنه كان يريد شراء ذلك الميكروسكوب الجديد من الإنترنت ووجد ذلك الرجل (سوني) يعرض ميكروسكوبه للبيع.

(سوني)! إنه اسم لم تذكره تلك القصة التي أرسلها لي أحدهم، وعموماً هذا لا يهمّ كثيراً لأن الشرطة قالت أن لا وجود لصاحب هذا الاسم على شبكة الإنترنت.

ربّاه! هل تقول لي أن هذا هو الدليل القوي على أن (سوني) الوهمي هو...؟

لا. من فضلك لا. سأذهب إلى الجسر وسأكشف الحقيقة المنطقية التي تجعل من يذهب لهذا المكان يموت بطريقة بشعة أو -وهذا أغلب الحكايات- يصاب بالجنون ويعود ليحكي لنا الهراء عن القاتل القديم الذي تم قتله ليطارد شبحه الجميع في هذه المنطقة ويلبس ذلك الزيّ الجدير بلقبه..

الرجل الأرنب.

 

-تمت-

السبت، 8 نوفمبر 2025

أمنا الغولة.. طقطقي الفولة- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

 


أمنا الغولة طقطقي الفولة بتعملي إيه؟

بتعملي إيه؟

كانوا يجلسون حول النار في رحلتهم الشتوية لمنطقة سانت كاترين، ولا يعلم أي أحد لماذا سرح ذلك الرجل ناظراً إلى النار، وغنّى تلك الأغنية الطفولية التي تذّكرهم بأيام اللعب الجميل. نظر له أحدهم وقال له.

-ماذا تفعل؟

هزّ رأسه وقال.

-أبداً. إن الأجواء ذكّرتني بهذه اللعبة.

وكان السؤال الأهم الذي سألته زوجته الجالسة بجواره.

-وإلى ماذا تسرح؟

ارتبك الرجل ونظر للنار يائساً.

-لا.. لا بأس. لا شيء.

ثم حاول التلصص للنظر إلى عيون زوجته، وبلع ريقه وقال.

-حسناً...

وعندما شعر الغرباء ممن يشاركونهم الرحلة بالملل، نظر إلى مرشد الرحلة وقال له.

-سأدخل لأنام..

وسحب زوجته وقام واقفاً. بدا أن جميع من في الجلسة كانوا ينتظرون تلك البادرة وقاموا معه، ونظر المرشد لهم ثم ألقى تعاليمه بشأن الاستيقاظ في الخامسة لرؤية شروق الشمس من الأعلى والذهاب إلى جولة أخيرة إلى الكنيسة والعودة في نهاية اليوم إلى منازلهم.

كانت تلك الليلة الأولى والوحيدة في ذلك المخيّم الجميل الذي إعتاد ليكون مكان لتخييم زوار تلك المنطقة، وبالتالي فالطرق ممهّدة نوعاَ إلى الخيام الخاصة بهم.

قام الجميع ونظر الرجل صاحب الأغنية إلى زوجته التي قالت له.

-ألن نذهب؟؟

نظر لها ونظر إلى المرشد الذي قال.

-براحتكم.. سأذهب الآن.

كاد أن يرّد ولكنه سكت وقال.

-سأذهب.

نظر إلى زوجته وإلى المرشد وقام.. قامت الزوجة وسارت خلفهم. دخل الرجل وزوجته الخيمة وفجأة إلتفت إليها وقال.

-لا أقصد.. صدّقيني.

اقتربت منه ونظرة الحنان الجميلة على عينيها ووضعت كفيها على وجهه قائلة.

-ماذا تقول يا حبيبي؟ أنا هنا معك.

بلع ريقه وهو ينظر لها بريبة. تركته وسارت نحو المضجع قائلة.

-هيّا لننام. سنتيقظ باكراً.

فعل كما قالت ونام بجانبها وهو يتساءل، هل ضايقها عندما أشار بطريقة ما من خلال الأغنية التي غنّاها للـ...

-حبيبي.

قاطعته فنظر لها وقالت.

-أنت كنت تعلم ماذا أفعل.

-ماذا؟؟

ابتسمت وعملت حركة بيدها بمعنى لا بأس، ثم أغمضت عينيها. بالطبع هي لديها الجرأة المطلقة لأن تنام أما هو فلا. ربما هذه فرصته في ذلك المكان. فرصة لينهي كل هذا بسرعة وسيستطيع إخفاء جثة هذه الغولة في الصحراء البعيدة حولهم ولن يجدها أي أحد.

عليه أن ينتهز تلك الفرصة. نظر إليها وقال ساخراً في نفسه: الغولة تنام كالملائكة. للحظة سأل نفسه عمّا يقولون عندما سيتساءلون عن زوجته، وهل سيصدقونه إذا قال إنها اختفت؟ غادرت الخيمة ولم تعد؟

نظر إلى فتحة الخيمة المغلقة وهمّ أن يقوم ليحضر صخرة ما من الخارج ويهشّم بها رأسها. قام وتسحّب وأخذ يفكّر في الجمل التي سيرّد بها عن الجميع وأنه سيحرص على البحث عنها في كل مكان، بالطبع ماعدا المكان الذي سيلقيها فيه و...

ها هي الصخرة المطلوبة. حملها ونظر حوله ليتأكد من أن لا أحد يراقبه وعاد بسرعة إلى الداخل ونظر مرعوباً إلى زوجته النائمة، وبكل قوّته هوّى بالصخرة على رأسها مرّة وأخرى وأخرى.

-ماذا تفعل يا أستاذ؟

كان الصوت خلفه، وهمّ أن يهرب والدماء على ملابسه ويده والصخرة، ولكن لا دماء.. لا جثة. الصخرة كان يدفعها بكل قوّته نحو الأرض داخل الخيمة. كان الصوت هو المرشد الذي ترك الجميع بعدما سمعوا ذلك الصوت وقرّر أن يدخل ليرى.

نظر إلى المرشد وبلع ريقه وقال.

-ماذا؟

ابتسم المرشد وقال.

-بالتأكيد إنها الكوابيس المصاحبة للأماكن النائية مثل هذه. تعالى فلتخرج ولتجلس معنا أمام النار.

وكانت هي خلف المرشد تضحك.

إنها هي أمنا الغولة.. زوجته.

-هيّا..

قالها المرشد مشجعاً فسار خلفه بجوار زوجته التي كانت تنظر له، وقد تعمّد ألا ينظر هو إليها. سمعها تقول له.

-لا بأس يا حبيبي.. أنا أعلم جيداً.

تعلم؟ تعلم ماذا؟ كاد قلبه أن يتوّقف، لولا وصولهم إلى التجمّع حول النار. جلس وزوجته بجانبه، بينما المرشد يقول وهو يجلس.

-سليمة. جت سليمة.

جلس الجميع وأخذوا يحدّقون في النار تماماً كما حدث من قبل، ولكنه لن يجسر على أي يغني تلك الأغنية التي يغنيّها الآن أحدهم!!

أمنا الغولة طقطقي الفولة بتعملي إيه؟



هنا بدأت زوجة المرشد تقول.

-جالسة أمام النار..

وتردّد صوت آخر يغني، وتلاه بعد ذلك صوت تلك السيدة زوجة ذلك السيد هناك يقول.

-بنظر إليكم..

أمنا الغولة طقطقي الفولة بتعملي إيه؟

وردت ثالثة..

-هناك بعض الأمور لابد أن أقوم بها.. أليس كذلك؟

كانت تلك المرأة تنظر إلى زوجة صديقنا بطل الحكاية وتقول لها.

-أليس كذلك؟

ضحكت الأخيرة ونظرت لزوجها ثم نظرت للمرشد قائلة.

-هل سننام يا سيّدي؟

نظر المرشد إلى ساعته وكرّر نفس ما حدث سابقاً من تعليمات.. الاستيقاظ عند الخامسة لرؤية شروق الشمس من الأعلى وإلخ.

هنا أطبقت يد زوجته على يديه قائلة.

-هيّا يا حبيبي..

قام مُرغماً وتحرّك بجوارها وسار وهو يفكّر في كل ما حدث منذ قليل. هل كان يتوّهم فعلاً إنه يقتلها؟ هل كان يتخيّل كل ما حدث في بداية تلك القصة ويحلم؟ وهنا سرت قشعريرة في جسده وبلا أي تفكير نظر خلفه في اللحظة التي كاد فيها يدخل خيمته.

كان الجميع يسير خلفهما. كان الجميع يبتسم بوحشية بعيون تنير ولا يعلم أهو ضوء القمر؟! زوجته التي بجواره ابتسمت بدورها وهي تميل نحوه قائلة.

-لا بأس.. لا بأس..

يا حبيبي....

 

-تمت-

 

السبت، 1 نوفمبر 2025

شيطان ياتون- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

 


(هذه القصة مبنية بالكامل على أحداث حقيقية لقضية تحمل اسم شيطان ياتون)

31 مايو 1788

بلدة ياتون- انجلترا

نزل القس (جوزيف إيستربروك) بملابسه الكنسية من عربة الخيول ليجد تلك السيدة تهرع نحوه قائلة.

-أيها الأب، اسمي سارة بابر كنتُ أرتاد الكنيسة التي تعمل بها في بريستول. عذراً على تلك الدعوة لهنا يا سيدي ولكن هناك حالة غريبة أريدك أن تنظر إليها كما علمت من رسالتي..

هزّ (جوزيف) رأسه وسار خلف (سارة) إلى غرفة في مبنى فوجد ذلك الرجل الجالس على الأرض. كان يتلوّى ويصدر أصوات صرخات مفزعة  وسرعان ما تكلّمت (سارة) وقالت للقسّ.

-اسمه جورج ليكنز. خيّاط. سمعتُ بأمره وكم اهتممتُ بهذا الرجل الذي قالوا أن في العام الماضي قال: أنا ممسوس بسبع أرواح شريرة، من بينهم الشيطان ذاته. لم أصدّق وبحثتُ عنه وبعدها قررتُ إستدعائك.

أخرج (جوزيف) ورقة من جيب بذلته، وكانت الرسالة التي أرسلتها له (سارة). نظر إليها ثم نظر إلى (جورج) وقال.

-مرحباً جورج.. اسمي جوزيف. جئت لأساعدك.

كان جورج مازال يتلوّى. اقترب (جوزيف) منه وجلس أمامه ووضع يده على كتفه وقال.

-لا بأس.. لا بأس.

فجأة توّقفت حركة (جورج) ونظر إلى حيث يضع القسّ يده وقال.

-عذراً أيها الأب. أنا... لا أعلم ما الذي يحدث لي.

سأله القسّ.

-هل تعرف تلك السيّدة؟

-كانت تساعدني.

-لماذا لم تنم على فراشك؟ لماذا أنت هكذا على الأرض؟

هنا قاطعته (سارة) قائلة.

-كان كذلك ولكنه قفز بطريقة لا أفهمها وأخذ يتلوّى ولحسن الحظّ كان وصولك قد حان، فتركته هكذا لألحق بك.

ابتسم لها (جوزيف) وأسند (جورج) ليجلس على فراشه، وجلس بدوره على طرف الفراش ونظر من جديد إلى الورقة وسأله.

-كيف حدث لك هذا؟

كانت (سارة) قد أرسلت له قصة (جورج) ولكنه أراد أن يسمع منه ويطابق ما يقوله مع رسالتها. تنهّد (جورج) الذي بدأ يعود إلى رشده ونظر للقسّ بخوف وقال.

-يومها.. في موسم أعياد الميلاد. كنتُ أؤدي عرضي كممثل وهي هوايتي المفضلّة وعندما عرضوا علينا الشراب وشربتُ.. ثملتُ ثم أثناء الخروج سقطتُ أرضاً و اصطدمت رأسي بالأرض بقوّة وعندما عدتُ إلى وعيي في اليوم التالي، كان الصداع ينهش في دماغي وبدأتُ ليلتها أتشنّج وعندما ظننتُ أن النوبة قد رحلت عادت وسط ذُعر زملائي الذين جاءوا ليطمئنوا عليّ في بيتي كما يقولون وقالوا أيضاً أنني كنتُ أصرخ أثناء النوبة بصوتٍ مخيفٍ كأنه صوت.. الشيطان. قالوا أيضاً أنني قلتُ أنني يجب أن أقوم لأستدعي باقي الشياطين كي يعذّبوا معي ذلك الجسد.. أنا.

تنهّد (جورج) ونظر إلى وجه القسّ، ثم أكمل.

-أما في العروض بعدها فكنتُ ألاحظ أنني أغنّي بأصوات عديدة، أصوات رجال ونساء وكأن فريق كامل يسكن جسدي، وبدأتُ ألأحظ أن..

قاطعه القسّ.

-كنتُ في وعيك حينئذ؟

-إلى حد ما.. نعم. كنتُ ألاحظ أنني أغني بعض الأغاني الدينية والترانيم بطريقة معكوسة! وأحياناً كنتُ أجد نفسي أنبح وأصهل وأعوي كالحيوانات.. كنتُ أعوي وأنا ألقي بجسدي عبر الحوائط والأرضيات وعبر الناس في تلك الحفلات. بالطبع يا أيها الأب كان هناك من يخاف وقتها ويتلو بعض الآيات والترانيم ووقتها كنتُ أهاجمه وأسقط على الأرض وأغيب عن الوعي من الألم؛ كنتُ أتلوّى. كان الألم يغزو كل قطعة في جسدي. كان ينهش في بطني ومخّي قبل أن ينقذني غياب الوعيّ.

رفع (جوزيف) نظره عن الورقة وهزّ رأسه وقال.

-هل ساعدك أحدهم وقتها؟

-اقترح أحدهم أن يربطوني أثناء تلك النوبات.

-حسناً.. أكمل.

-كنتُ أحاول ممارسة حياتي في تلك الفترات التي لم تظهر فيها هذه النوبات، وبدأ أخي  يعرضني على الطبيب الذي قررّ أن يحتجزني داخل المستشفى ولكن في تلك الفترة لم أعوي ولم أصرخ ولم أفعل أي شيء؛ كنتُ قد شفيتُ، وخرجتُ من المستشفى ومن يومها عادت تلك الحالة من جديد، ولكن من فترة إلى أخرى، وفي نفس الوقت كانت الحالة خفيفة إلى حد ما...

قاطعه (جوزيف).

-خفيفة إلى درجة ماذا؟

-فقط البصق والسباب والغناء بأصوات عديدة، ولكن التشنجات والاصطدام والصراخ اختفى. بالطبع كان أخي وقتها وأهل القرية يساعدوني ويترّفقون بحالتي وأخذوا يراقبوني والحالة تهدأ وتهدأ، ثم لم يعد هناك أي شيء لسنوات عديدة وعندما سألوني عمّا كنت أشعر به قلتُ لهم أن هناك ساحرة كانت تسكن جسدي وهي السبب في معاناتي. حتى العام الماضي.

توّقف (جورج) ونظر إلى (سارة) ثم قال.

-بعد أن عادت النوبات من جديد وفي أول نوبة قال أخي وأهل القرية ممن حضروا ذلك العرض أنني قلت: أنا ممسوس بسبع أرواح شريرة، من بينهم الشيطان ذاته. بعدها تغيّر كل شيء وأصبحت النوبات لا تفارقني ووجدتُ تلك السيّدة ومشكوراً لها اعتنت بي في الأيام التي يغيب عنها أخي وتتردد هنا في منزلي لتجدني وتحدثني عمّا أعانيه وحكيتُ لها مراراً قصتي هذا.

نظرت (سارة) إلى القسّ وسألته.

-ما رأيك؟

قال القسّ.

-سأساعده بكل ما لديّ من قوّة ولكن بشرط!

نظر إلى (جورج) وقال.

-ستأتي معي إلى بريستول وتقيم معي ونبدأ العلاج، أما الجانب الأخر لكي تستريح تلك السيدة ولا تعد لديها الحاجة لأن تسافر إلى هنا.

ثم قال لـ (سارة).

-سيكون في متناول أيدينا حتى تتم معالجته بإذن الرب.

قال (جورج).

-أنا موافق.

...

يونيو 1788

غرفة في كنيسة تيمبل- بريستول- انجلترا

كان في الغرفة أربعة أشخاص من بينهم القسّ (جوزيف إيستربروك) بالإضافة إلى (جورج) النائم على الفراش بلا وعي. كانوا كهنة، وقد نظروا إلى الرجل أمامهم وقد إنتهى للتوّ من نوبة غريبة، حتى أن أحدهم قال وهو يشير إلى (جورج).

-إنه الشيطان ذاته!

وقال الآخر.

-هناك شيئاً خارقاً للطبيعة في الأمر حتماً ولكن...

أما الثالث فنظر إلى (جوزيف) وقال.

-نصيحتي لك أن تترك ذلك المسكين في حال سبيله.

قال لهم (جوزيف).

-من المستحيل ان أترك تلك الروح المسكينة تعاني أيها السادة. هل أنتم معي أم..

وقاطعتهم صرخة آتية من (جورج) الذي فتح عينيه. تشنّج في مكانه وأخذ يصيح بصوت الكلب والضفدع والحصان وبعدها قال آيات الإنجيل بطريقة غير مفهومة، وتطلّب منهم بعض الوقت لكي يدركوا أنه يقول الإنجيل بطريقة معكوسة، والغريب أن صوته أخذ يتغيّر ويتغيّر مع كل آية والأخرى. هنا قال الرجل الثالث صاحب النصيحة لـ (جورج).

-من أنت؟

لا ردّ.

-من أنت؟

استمرّ الترتيل الشيطاني.

-من أنت؟

كرّرها الرجل وفجأة سمعوا صوت طقطقة رقبة (جورج) وهو يميل رأسه يميناً ويساراً ببطء ثم نظر نحو الأربعة وابتسم ببرودة هي أشبه ببرودة جثة ميتة لبثت في المشرحة لأسابيع دون أن تخرج، ثم قال بصوته الأجدر بكل أصوات من مكثوا في الجحيم.

-أنا الشيطان.

نظر الرجل إلى (جوزيف) كأنه قد رأى الجحيم لأول مرّة في حياته، وبلع ريقه قبل أن ينظر مرّة أخرى إلى (جورج) قائلاً بصوتٍ كاد لا يُسمع.

-ولماذا تعذّبه؟

وبنفس الصوت القاسي المخيف قال.

-لكي أريكم قوتي.. لكي أريكم كم أنا عظيم.

ثم حاول القيام وتفكّك الرباط حول يديه وبدأ يقفز نحو الرجل، بالتحديد نحو وجهه، ولكن الجميع حاول أن يبعد (جورج) عنه، وبدأ (جوزيف) نفسه يجذبه بقوّة وعندما نجح في هذا وسقط عليه بدأت الرغاوي البيضاء تتجمع في فم (جورج) وتتدفق عليه وملامح وجهه تزداد تشنّجاً ورعباً. تجمّد فجأة ورفع نفسه من فوق القسّ ونظر إلى الرجل الذي سأله السؤال وأشار إليه وصاح.

-لن أخرج منه أبداً. سأعذبه العذاب الأكبر. أنا العظيم وسترون قوّتي. أتفهمون؟

كانت تلك الفرصة كي ينقضّ عليه الأربعة ويرفعونه على السرير ويحاولون إعادة تكبيله من جديد، في اللحظة التي كان فيه ذلك الشيطان يصيح فيهم في تلك اللحظة التي شعروا فيها كأن الغرفة تقع في الرياح ذاتها.. تقع في منتصف العاصفة.

-سامزّق أعناقكم أيها الأوغاد. سأجعلكم تتمنوّن الرحمة. أنا القويّ هنا.

وعندما انتهوا من عملهم وحاول جسد (جورج) التملّق مراراً من الأربطة المحكومة، تهاوى جسده فجأة مستسلماً ثم نظر لهم وأخذ يضحك.

-هل هذه الأربطة ستمنعني؟ يا لكم من أغبياء. أنتم قد رأيتموني منذ قليل أمزّقها.

وما المانع من تمزيقها مرّة أخرى.

بدأ يتحرّر من الأربطة التي انفكّت من تلقاء نفسها يائسة ومرتعبة. جلس على الفراش. وقف على الأرض في لمح البصر ثم نظر لهم وقال بصوته الشيطاني الهادئ.

-سأدمّر كل من يساعد ذلك الوغد.

وفجأة قفز من جديد. قفز على وجه (جوزيف) وحاول من معه أن يبعدوا ذلك الشيطان عنه. كان ينبح وبعدها سقط أمامهم ونظر لـ (جوزيف) وللجميع وغنّى.

-أعترف لك أيها الشيطان.. ترارارارا.. أنك أقوى شيء في هذه الدنيا ترارارارا..

ثم صاح فيهم.

-قولوها خلفي أيها العبيد. قولوا أنني أقوى شيء في هذه الدنيا ولا يمكن لأحد أن يضاهيني.. هيّا قولوها.

وبدأت الأصوات في حنجرة (جورج) تتغيّر بأصوات نسائية ورجالية متعدّدة..

نعم أنت أقوى شيء.. نعم.. نعم..

ثم صاح بصوتٍ أعلى..

-أعترف لك.. أعترف لك.. قولوها خلفهم.. غنّوا ورائي وورائهم يا أيها البشر الملاعين..

وهنا صرخ.. صرخ وبدأ من في خارج الغرفة ينزعج من الصوت الشيطاني والضجيج غير المحتمل الذي أخذ يتردّد، ودخلوا المكان في اللحظة التي قفز فيها (جوزيف) فوق (جورج) وأسقطه أرضه وصاح قائلاً.

-آمرك باسم الرب أن تترك ذلك الجسد حالاً أيها الملعون. باسم الأب والابن والروح القدس آمرك.

ونظر للجميع الذين أخذوا يردّدون الآيات التي يحفظونها، وهناك ذلك القسّ الدخيل والذي أخذ يقرأ ويتلو الآيات من الكتاب المقدّس في يده..

-إلى أين سأذهب؟

قالها (جورج) أسفل (جوزيف) وهدأت حركته العنيفة، مما جعل الأخير يتراجع ووجدوا الجميع -وكانت الغرفة مزدحمة- أن وجه (جورج) كان ينظر لهم بصدمة قائلاً.

-قولوا لي.. إلى أين سأذهب؟

هنا أجابه أحد الثلاثة ممن كانوا في الجلسة منذ بدايتها.

-اذهب إلى الجحيم. عُد إلى الجحيم. اترك هذا المسكين. كفّ عن تعذيبه.

نظر (جورج) لهم ونام على ظهره وهمس..

-لقد خدعنا. لقد...

وغاب عن الوعي. حملوه نحو الفراش، وتساءل الجميع عمّا حدث ولكن عندما فتح (جورج) عينيه كان هو (جورج). كان صوته يتساءل عمّا حدث منذ قليل ولماذا الغرفة مزدحمة بهذا الشكل. سأله (جوزيف).

-هل أنت بخير يا بنيّ؟

ولكن بدلاً من يقول نعم أنا بخير، نظر للقسّ وقال.

-أريد أن اصلّي.. سأصلّي معكم.

...

مارس 1789

نظر (جوزيف) في مكتبه إلى الرسالة الجديدة التي انتهت بجملة.. (لوكينز استطاع أن يمثّل عليكم ببراعة). كانت الرسالة من أحد الأشخاص الذين لم يصدّقوا كالعادة كل ما حكوه عن ذلك اليوم.

لقد سأم (جوزيف) ظهوره المتكرر للدفاع عن ذلك المسكين أمام الناس؛ لقد سأم تحسين سمعته سواء في بريستول على الرغم ممن قالوا أن (جورج) كان معروفاً بموهبته في تقليد الأصوات وفي التحدّث من بطنه. كما أن هناك الاضطرابات النفسية والصرع الواضح والمعاناة من عضّة كلب قديمة! وأنه ليس ممسوساً وأن الأمر كله هُراء محض.

وضع الرسالة بجانبه فوق كومة الرسائل المرسلة إلى الكنيسة وأخرج ورقة وقلم ونظر للورقة طويلاً قبل أن يكتب بخطّ كبير في أعلى منتصف الصفحة.

"نداء للجمهور العام باحترام جورج لوكينز شيطان ياتون!"

...

((لم يعد جورج إلى العمل بعدما تم شفاءه.. عاش سنواته الباقية في فقر وحاجة التسوّل.. توفي عام 1805 تاركاً حتى الآن اللغز الأكبر: هل كان نصاباً.. أم كان ممسوساً بسبع أرواح شريرة والشيطان منهم؟))

 

-تمت-