السبت، 27 سبتمبر 2025

يوكاي- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز



 كانا يسيران في الشارع. هو لا يصدّق مدى جمال هذه الفتاة التي تصاحبه في طريقها إلى منزلها لبدء مواعدة لن ينساها؛ الفتاة التي تعرّف عليها في تطبيق من تطبيقات المواعدة الشبيهة بـ (تندر).. مواعدة جميلة ولذيذة إلى أقصى حدّ. في تلك اللحظة مرّ بهم أحد الرجال وقدّم له ورقة. ركزّ إلى الورقة ثم نظر إليها وقال.

-غومو.. هل تظنين أنك ستذهبين معي إلى مهرجان توكوشيما يوكاي هذا؟

ثم ضحك وأراها الورقة الدعائية. نظرت (غومو) إليه وضحكت قائلة.

-يا حبيبي (رين) المهرجان في نصف نوفمبر، ما رأيك في أن نختصر موعدنا القادم إلى الهالوين؟ آخر أكتوبر؟

-غريب.. يعلنون عن هذا المهرجان منذ الآن، كما أنني لا أحبّ هذه الأشياء عموماً.

-اليوكاي؟ هل تخاف؟

هزّ رأسه رافضاً أن يظهر بمظهر الضعيف أمام تلك الفتاة الفاتنة وقال.

-بالطبع لا.. لا أخاف هذه الأشياء. كل ما في الأمر أن عمّي مرّ بتجربة مخيفة مع هذه الكائنات قبل سنوات عديدة.

لمعت عيناها ووقفت وأمسكت يده قائلة بحماس بالغ.

-رائع.. أنا أحبّ هذه الحكايات.

نظر لها وقال..

-لا جديد.. ربما هي تهيؤات مخمور على الأكثر. كان عمّي شاباً وقتها وبعد ليلة من شرب الخمر في حانة قديمة خرج مع فتاة تعرّف عليها هناك نحو منزلها، ولكنه بعدما ذهب إلى المنزل وشمّ هذه الرائحة الغريبة تحوّلت الفتاة إلى عنكبوت هائل ووجد مصدر هذه الرائحة الغريبة.. جثث محبوسة في خيوط قد نسجتها هذه المخلوقة.

-هل حدث هذا حقاً؟

-يقول هذا.

-وما الذي حدث بعد ذلك؟

-حاولت هذه اليوكاي مهاجمته وخدشته في خدّه قبل أن يستطيع الهروب بمعجزة وعندما عاد إلى منزل جدّي أخذ يهذي قائلاً.. السيدة العنكبوت.. السيدة العنكبوت، ولكن جدّي قال له أنه يهلوس لا أكثر وأن تلك السيدة هي أسطورة قديمة تعود إلى الساموراي في تلك المنطقة قديماً.. رغم أن ما حكاه عمّي يشبه تفاصيل الأسطورة التي تقول أن أحد الساموراي واجه تلك المرأة وأغرته وعندما تحوّلت طعنها بالسيف ولكنها هربت نحو منزلها.. إنه المنزل الذي كان يحتوي على عشرات الجثث المربوطة بخيوط العنكبوت.


سكت لحظة ثم أكمل.

-بالطبع قالوا أن عمّي قد تأثر بتلك الأسطورة، ولكني صدّقته عندما حكاها لي، فتلك الشامة على خدّه تشبه الخدش إلى حدّ كبير.

نظر (رين) إلى (غومو) المبهورة بكلامه وقالت.

-اليوكاي لا تعد مجرد أساطير قديمة يا عزيزي.. أنا أيضاً لديّ حكاية عن بئر.. حدثت لجدّتي. أو هذا ما عاصرته وواجهته بالأحرى.

نظر إلى المنعطف أمامه وهو يتقدّم معها قائلاً.

-بئر؟

نظرت للأمام وهي تتابع طريقها وهو خلفها.

-كانت جدتي طفلة تسكن بالقرب من قلعة قديمة تعود هي أيضاً لعصور الساموراي وخارجها بئر قديم. في كل ليلة تسمع ذلك الصوت القادم من هناك والصرخة التي تتبعها. ذات ليلة سمعت ذلك الصوت وقررت النظر من النافذة. تحكي قائلة أنها عندما نظرت، وجدت ذلك الظلّ الغريب يخرج من البئر ويتمدّد، وعندما دقّقت النظر أكثر إلى الظلّ شهقت من الرعب، فقد رأت امرأة.


قاطعها (رين).

-امرأة تتمدّد؟

-هي كذلك. كانت تلك المرأة حاملة هذه الأطباق في يدها وأخذت تعدّ.. تعدّ.. ثم صرخت في اللحظة التي سمعت فيها جدتي صوت والدها يصيح فيها ألا تكمل النظر. كانت جدّتي ترتجف وهي تنظر إليه قائلة: ما الذي حدث؟ ما هذه الـ.. الـ..؟ كان ردّ والدها: هي يوكاي تسكن البئر منذ القدم. يوكاي؟ كان هذا سؤال جدتي الذي ردّ عليه بحكاية قديمة حول تلك الخادمة التي كانت تعدّ الأطباق العشرة يومياً لحاكم القصر، وفي يوم عندما عدّتهم وجدت الطبق العاشر ناقصاً. غضب الحاكم جداً منها وقتلها ثم رمى جثتها في البئر. من بعدها وشبحها يخرج ويزحف ليعدّ هذه الأطباق في يدها وعندما تتفاجأ أن الأطباق ناقصة.. تصرخ.. هكذا في كل ليلة. يسمّون هذا الشبح.. أوكيكو.. ها قد وصلنا لمنزلي يا حبيبي.

وقف خلفها عند باب المنزل وهو يقول.

-أوكيكو؟ من الجيد أن تتذكرين اسم اليوكاي الخاص بجدتك..

ثم سرح متمتماً.

-ما اسم اليوكاي التي قابلها عمّي؟ ما اسمها؟ ما اسمها؟

قالت له (غومو).

-هيّا ندخل؟

دخل معها والسؤال في ذهنه، على الرغم من أن أنفه التقط شيئاً. نظر حوله وكاد لحظتها يسقط؛ فتلك الرائحة تنبعث من الأشياء التي تسقط من السقف. جثث؟ جثث متحللة محبوسة داخل خيوط العنكبوت؟؟

جثث محبوسة في خيوط قد نسجتها هذه المخلوقة؟

نظر إلى (غومو) التي كانت تبتسم له بعذوبة وإغراء وبدأت تتحوّل. كانت نصفها السفلي يتحوّل بسلاسة إلى جسد العنكبوت وخرجت تلك الأقدام المفزعة من جانبي الجسد وبدأت ملامح وجهها تتحوّل إلى اللون الشاحب الأبيض البارد، وكشفت عن أنيابها وهي تتحرّك نحوه. سقط على الأرض وهو يرى بشاعتها تحجب الرؤية عن عينيه في نفس اللحظة التي تذّكر فيها اسم اليوكاي التي قابلها عمّه..

جورو.. غومو..

جورغومو.

-تمت-


السبت، 20 سبتمبر 2025

لستُ ويجا...- قصة رعب قصيرة - هيثم ممتاز

 


ويجا.. ويجا.. إذا أنتِ هنا.. اذهبي إلى نعم.

ويجا.. ويجا.. 

ويجا.. ويجا..

بهدوء شديد، تحرّكت أصابعهم فوق المؤشر نحو.. لا.

ويجا.. ويجا.. هل أنتِ هنا؟

نظروا إلى أيديهم فوق (لا). الأيادي لا تتحرّك..

ويجا.. ويجا.. هل أنتِ هنا؟

بدأ المؤشر يتحرّك ولكن هذه المرّة ليست في الجهة المقابلة لـ (لا).. بل بدأت أصابعهم تنطلق نحو الحروف..

(ل) (أ) (ن) (ي) (ل) (س) (ت) (و) (ي) (ج) (ا)

لأني لستُ ويجا؟

إذن من أنتِ؟

(ن) (ح) (ن) (ل) (و) (س) (ي) (ف) (ر)  (ب) (ع) (ل) (ز) (ب) (و) (ب)

نحن لوسيفر، بعلزبوب

ماذا يعني هذا؟

حسناً.. هل أنتم أرواح؟

هنا انطلقت أصابعهم بسرعة نحو (لا) من جديد.

سكتوا ونظروا إلى بعضهم، وهمس أحدهم..

جن؟

دار المؤشر تحت أصابعهم حول (لا) من جديد.

شياطين؟

وفجأة تحرّك المؤشر من تحت أصابعهم بسرعة شديدة بالعرض نحو الكلمة المقابلة.. (نعم)..

وقفوا فجأة ونظروا إلى المؤشر وعندما شعروا بالظلال حولهم، ارتجفوا من الرعب وهم ينظرون إلى تلك الظلال.. ظلال أخذت تتحرّك وتنطلق هنا وهناك. 

-انظروا..

قالتها الابنة الصغرى وهي تنظر إلى اللوح الكرتوني والمؤشر فوقه يتحرّك نحو الأحرف.

(م) (ا) (ذ) (ا) (ت) (ر) (ي) (د) (و) (ن)

ماذا تريدون؟

(ه) (ل) (ت) (ر) (ي) (د) (و) (ن) (ا) (ل) (ل) (ع) (ب)

هل تريد اللعب؟

(ح) (س) (ن) (ا) (س) (ن) (ل) (ع) (ب)



وبدأت الطفلة في الداخل تبكي. نظرت العائلة المكونة من الجدّة وابنتها الوسطى والصغرى وحفيدها وحفيدتها إلى الباب، وقال الحفيد لأمه (الابنة الوسطى).

-أختي!!  

تركت العائلة كل شيء ودخلوا سريعاً الغرفة فوجدوا الطفلة جالسة وتنظر إلى السقف وتبكي ولم تكن لوحدها، بل كان ابن خالتها الصغرى الرضيع يبكي بصوت مكتوم. جلست أم الطفلة بجانبها لتفهم ما الذي يحدث لها، ولكن الطفلة فجأة نظرت إلى خالتها وقالت بصوت مرعب لا ينبغي أن يخرج من طفلة.

-عودي إلى منزلك!! عودي!

نظرت خالتها حولها وهي تحاول فهم ما يحدث لرضيعها وقالت.

-أين منزلي؟ أنا منزلي هنا..

-عودي! عودوا جميعكم إلى الجحيم. هذا مكانكم.

كان صوتها يتردّد بخشونة في أنحاء المنزل الذي أخذ يرتجّ.. تماسك الجميع وهم ينظرون بفزع إلى الطفلة التي أخذت تضحك بشيطانية، ثم أغمضت عينيها ونامت وسكت كل شيء. قالت أم الطفلة.

-إنها تلك الويجا الملعونة..

قالت لأبناءها أن ينتظروا هنا، وذهبت مع أختها وأمها إلى الخارج. عمّ الهدوء للحظة قبل أن تلمح الابنة ذلك الضوء الأحمر القادم من الخارج، وقالت لأخيها.

-انظر!

نظر معها وقال لأخته.

-ما الذي يحدث؟

تحرّكا ببطء إلى الخارج وعندما فتحا الباب حيث وجدا النيران مصدر الضوء تغزو المكان، ولا أثر.. لأمهما وخالتهما وجدتهما..

كانت لوح الويجا كما هي ويتحرّك المؤشر عليها..

(ل) (ق) (د) (ر) (ح) (ل) (و) (ا) (م) (ع) (ن) (ا)

لقد رحلوا معنا..

لقد رحلوا معنا..

صرخت الطفلة الصغيرة في الغرفة وهي تهمس (لقد رحلوا معنا) ونظرت إلى الرضيع الذي فتح عينيه وأخذ يبكي. أشارت إليه ليصمت أو يبكي بصمت ونظرت إلى السقف ورأت ذلك الكائن.. يهمس لها.

-ستحلّ الكارثة يا صغيرة كما رأيتِ في النوم.

وهنا لم تملك سوى البكاء وهي تنظر إلى الكائن. دخلت عائلتها نحوها من الخارج وعندما لمحت الكائن يقترب منها ليتحّكم فيها.. صاحت قائلة.

-ابتعد عنّا. ابتعد.

ثم نظرت إلى أهلها قائلة بنبرتها الطفولية.

-لا تخرجوا.. في الصباح تخلّصوا منها.


-تمت-  


السبت، 13 سبتمبر 2025

العواجيز- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

 

*من الأحداث الحقيقية، وقعت هذه القصة*

  كانت صغيرة للغاية على هذا الفزع. في بدء الأمر، كانت لا تفهم ما هذا. سألت نفسها في عقلها: هل هم كهؤلاء؟ هل هم كأمي وأبي واخوتي وجدتي وخالاتي وأعمامي؟

  لكنها كانت صغيرة بما يكفي كي تصوغ هذا السؤال كما صغته، ومع ذلك فهي قد فهمت سريعاً أنهم ليسوا كهؤلاء!

 على سبيل المثال.. عندما نظرت إلى الرجل المسن بلحيته البيضاء المصبوغة بحنّاء غريبة اللون ووجهه الطيب والذي كان يقول لها دعابة ما، فضحكت.. ولكن عندما سألتها أمها عمّا يضحكها وأشارت ببراءة إلى العجوز قائلة.

-إنه هذا.. الرجل.. العجوز.

الرجل العجوز


 كانت الأم تنظر إلى الرجل ولكنها سرعان ما تنظر إلى صغيرتها قائلة.

-أين هذا؟

وفي تلك اللحظة فهمت الصغيرة أن هذا الرجل لا يمكن لأحد رؤيته غيرها، وبالتالي فإن تلك السيدة بالملابس السوداء والبشرة الغامقة والملامح القاسية، ليست موجودة هي أيضاً.

لماذا؟ لإنهما يريان بعضهما البعض..

هذه الفكرة -الخاصة بالسيدة العجوز- أخافتها.. فإن لم تكن من البشر كأمي وأبي، إذن.. من؟

كل هذه الأفكار جعلت معاناتها تبدأ، وخصوصاً عندما بدأت السيدة العجوز تظهر لها بملامح مخيفة أكثر ووجه مشوّه، وتقترب منها ولسانها المشقوق يخرج من فمها.. هنا صرخت الفتاة! صرخت وهي تشير إلى السيدة المسخ قائلة.

-السيدة العجوز!! السيدة العجوز!!!

السيدة العجوز! السيدة العجوز!

..

بدأ الجميع حول الفتاة يفهم أنها ترى! لكن.. أهي أوهام وخيالات الأطفال؟ قرّر الجميع التعامل معها من هذا المنطلق حتى لا يخافوا، ولكن... الفتاة ترى وتسمع.. ترى تلك الأطياف السوداء تتحرك فوق كراسي الصالون.. ترى هذا الوحش يطير في المنزل وخصوصاً عند تشغيل القرآن على التلفاز! كانت تصرخ وتبكي، وابن خالتها يفعل مثلها، وهي لا تفهم أهو يرى ويسمع؟ أم أنه فقط رأى ذلك الوحش الناتج عن الظلام في المنزل نتيجة.... هي لا تعلم ولا تفهم. هي فقط ترى وتسمع وتصرخ ولكن دائماً ما تأتي الطمأنينة على هيئة... الرجل العجوز.

الرجل العجوز يقترب ويبتسم، يُهدئ ويُطمئن ويقول أشياء توحي بمساعدتها؛ فوالدها الذي كان يسافر دائماً للذهاب إلى مزرعته بالقرب من محافظة أخرى كان يقود ذات يوم، ويومها جاء الرجل العجوز إليها وطمأنها أنه سيقف بجانبه ويراقبه ولن يظهر إلا عند مواجهة الخطر المحتمل.. لا قدّر الله.

وقتها شعرت الصغيرة بالراحة وهي جالسة وأمها تكلّم والدها على طريق السفر وعندما سمعت صوت أمها تقول..

-من؟؟ رجل بملابس ولحية بيضاء؟؟

هنا عرفت الصغيرة أن الرجل العجوز قد أوفى بوعده وإنه ظهر لمساعدة والدها ضد خطر ما فهمست..

-إنه الرجل العجوز..

كانت تعرف تفاصيل ما حدث من الرجل العجوز نفسه بعد الموقف مباشرة ولهذا لم تشعر بالمفاجأة عندما عاد الأب وشرح لأسرتها أنه عندما كان يقود وصعد ذلك الجسر، وجد ذلك الرجل الأبيض بعباءة ولحية بيضاء على جانب الجسر ينظر له.. وقتها شعر الأب بالخوف واسترجع حكايات ابنته عن الرجل والسيدة و.. لم يتوّقف ولكنه لوهلة شعر بطمأنينة عندما نظر للرجل الذي ابتسم له..

كانت تعرف كل هذه التفاصيل وعندما سألت الرجل العجوز في جلستها معه في غرفتها عن ما الخطر الذي كان ينتظر والدها وهو أنقذه؟؟ سكت الرجل وسرح قليلاً ثم قال.

-إنها أمور في عالمنا. الشرّ يا صغيرة في عالمنا تجاهكم أكبر مما تتخيلين.

-السيدة العجوز؟؟

ضحك الرجل وقال.

-لا.. السيدة العجوز مخيفة. أعلم هذا، ولكنها لا تؤذيكِ -بعيداً عن محاولاتها لمداعبتك بطريقة تخيفك- وبالتالي لن تؤذي عائلتك.

قالت وقد تذّكرت...

-هذه الوحوش؟؟ الكائنات المخيفة؟؟

-هم كذلك. أنتِ رأيتهم؟

-بلى.

-وأنا قد دافعت عنكِ وأعلنت قبيلتي الحرب عليهم ولكنهم..

-لكنهم ماذا؟؟

سكت الرجل وربت على رأسها قائلاً.

-لا تهتمي بالأمر.. فأنا هنا معك بإذن الله ولن أسمح بأي أذى.

أرادت أن تسأله عن سبب ظهوره لوالدها بشكله الأبيض كما وصف مع إنه يظهر لها بعباءة لونها مريح للقلب ولحيته البيضاء مخضّبة بالحناء ولكن جملته الأخيرة "لن أسمع بأي أذي" جعلها ترتعد مما ستراه.

ولكنها كانت ترى فعلاً بعدها أكثر وأكثر.. حتى فجأة صارت لا تراهم، ومع هذا كانت تشعر بوجود الرجل العجوز براحته النفسية والسيدة العجوز المخيفة ولكنها.. طيبة؟ لا تصدّق هذا مثلما لا يصدّق أهلها هذا.. هم على يقين حتى اليوم من أن السيدة العجوز شريرة.

كبرت الصغيرة وأصبحت لا تشعر بوجودهم كذلك، ولكن هذا لا يخفي الحقيقة: أنهم معها ويراقبونها حتى هذه اللحظة.. حتى بعدما كبرت الصغيرة وصارت شابّة.

 

-تمت-


السبت، 6 سبتمبر 2025

دماء إله الشمس- قصة رعب قصيرة- هيثم ممتاز

  

دماء إله الشمس- اللعنة

صيف 1487 م

  تندفع الحشود في شوارع تينوتشتيتلان وهي العاصمة الواقعة فوق جزيرة في وسط بحيرة تشكوكو المكسيكية. الحشود تجرّ وتدفع بعضها بعضاً.. يهمهمون بالترانيم والأدعية وهم يرفعون رؤوسهم نحو الشمس الساطعة فوقهم. سمع البعض أن الشمس كانت غاضبة عليهم أشدّ الغضب بسبب حرارتها، ولهذا طلب الكاهن الأعظم أضحيات تنقذ شعبه العظيم من هذا الغضب واللعنة، ولعل الحرارة تُخفّ قليلاً ويرضى عنهم الربّ. 

  تصل الحشود وتقف وتنظر إلى البناء المدرّج الضخم فوقهم، حيث تسكن الشمس الغاضبة فوق أعلى نقطة. تراقب الحشود ما الذي سيحدث، وتعلم أن ما سيحدث سيجعل الشمس تهدأ لأيام قليلة -ربما- قبل أن تعلن غضبها من جديد؛ فعلى حسب تذّكرهم أن الشمس غضبت في هذا العالم منذ بدء الحرارة.. 502 مرة وهذا تطلّب... 

  قطع انتظار الحشود صوت من الأعلى يصيح..

-أهلاً بالرعيّة في معبد هويتزيلوبوتشتلي العظيم. أهلاً بالتطهير..

  صاحت الحشود أسفل منه، ونظر الكاهن صاحب الصيحة من أعلى المعبد والذي يلبس الزيّ الاحتفالي؛ عبارة عن قطعة قماش tību  ملفوفة حول جسده بألوانها الحمراء والبرتقالية ومزخرفة برمز الشمس، وقلنسوة مزيّنة بالريش الثمين فوق رأسه تُدعى Copilli .. نظر إلى مساعديه بألوانهم ردائهم الساطعة حول الخصر، ثم نظر إلى عشرة رجال يجثون أمامهم على رُكَبِهم وأيديهم مُقيّدة خلف ظهورهم، وهناك قطعة من القماش في أفواههم. أشار الكاهن إلى الرجال وقال لهم بلغة الناهواتل.

-أنتم أداة تطهيرنا في هذا اليوم... 

  تعالت أصوات الحشود بالأسفل. أما الرجال فنظروا إلى الكاهن والدموع تغرق أعينهم. يبدو على ملامحهم أنهم لا يريدون تلك النهاية. هم لا يريدون أي شيء سوى الحياة. هم لا يفهمون حتى سبب اختطافهم وجلبهم إلى هنا من مدينتهم البعيدة.. نظر واحد منهم إلى الكاهن وهمّ أن يتحرّك جالساً كمحاولة يائسة لتحرير نفسه، ولكن تلك الركلة من الخلف أوقعته على وجهه فسكت، وحاول آخر أن يقوم ليتفاجأ بقدميه المقيّدة تمنعه من أي شيء! 

  لقد قُضي علينا..

عبّر عنها أحدهم بملامح وجهه وهو ينظر لرفاقه، ورفع رأسه نحو الكاهن الذي كان يشير إليهم للحشود في الأسفل قائلاً بصوته الجهوريّ..

-هم غذاء الشمس والضوء.. هم الزاد.. من فضلكم أيها الشعب العظيم.. أشكروا ضحاياكم.

  وتعالت الصيحات من الأسفل بعبارات وكلمات الشكر والامتنان..  في تلك الأثناء دخل أحد المساعدون داخل غرفة في المعبد وخرج حاملاً التمثال الصغير للمسخ المرعب.. لا ليس مسخاً.. بل هو هويتزيلوبوتشتلي. قدّم المساعد التمثال للكاهن الذي رفعه للرعيّة فتعالت أصواتهم من الأسفل بالدعوات، ثم خطا عدة خطوات لأحد الضحايا ووضع التمثال أمام وجهه قائلاً.

-العظيم يشكرك.. هويتزيلوبوتشتلي يشكركم جمعاً يا أبناء الشمس. نعم ستكونون أبناء الشمس قريباً.. أليس هذا يدعو للفخر؟ انظروا.. هيّا انظروا إلى الداخل. ستجدونه يقف..

أشار إلى مساعده فدخل وغاب بعض الوقت قبل أن يلمح الضحايا ذلك الوجه البازلتي الغريب يظهر على شعاع الشمس! إنه الوجه المرعب.. وجه.. إله الشمس المسخ؟  

شهق العشرة رُعباً عندما هبّ الوجه البشع بعينيه الحمراء في وجوههم ولكن... هذا كان الخوف؛ خلق الأوهام التي لا وجود لها.

سمعوا ضحكة الكاهن الذي قال.

-أرأيتم؟ إله الشمس العظيم يريدكم بداخله.. 

ثم نظر إلى الحشود أسفل منه وصاح قائلاً..

-شعب الأزتيك العظيم. شعب تينوتشتيتلان. حان الوقت لتشهدوا.. فلتبدأ الطبول.

ومن كل مكان تعالى صوت الطبول، مع ترانيم أخذت تتردد على إيقاعها. بدأ الجميع يخشعون وهم يرفعون وجوههم نحو الشمس ويردّدون المزيد، في حين أشار الكاهن إلى أحد المساعدين ليساعد الرجل الأول على الوقوف. مدّ الكاهن يده ليعطي المساعد الآخر سكيناً نُقش عليه الشمس. أمسك المساعد الرجل الأول الذي حاول بكل قوته التملّص، ولكن.. لا مفرّ. اقترب الكاهن من الرجل ووضع طرف السكين عند بطنه، ثم دفعه لينغرس وحرّك السكين من الداخل عبر البطن كلها لتتساقط الدماء والأحشاء على الأرض.. سقط الرجل أرضاً وهو يرتجف وينتفض قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. اقترب الكاهن من الرجل الثاني وكرّر الأمر، ثم الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع.. والأخير. كل هذا وسط صيحات وترانيم الحشد وصلوات الكاهن نفسه المصاحبة للطبول والأصوات.

رفع الكاهن سكينه الغارق بالدماء إلى السماء وراقب الجثث المتفرّقة أمامه، ورفع وجهه للشمس قائلاً.

-إليك.. إليك.. إليك.. 

و.. فجأة سرت رجفة في أجساد الجميع.. نشوة روحية؟ فجأة.. ظهرت رياح حارّة في السماء. فجأة.. ظهر ذلك الجسد من الأعلى. زادت الرجفة لدى الجميع وهم يراقبون الجسد المرعب الساقط من الشمس. ابتسم الكاهن وهو يقول.

-إلهنا العظيم.. أهلاً.

ظهر الجسد بوضوح مع صولجانه وهو يقترب نحو أعلى المعبد حيث ينتظره الكاهن والمساعد الأول والثاني والثالث، والجثث العشرة بأحشائِهم. وقف الكيان على قدميه ونظر إلى الكاهن، وبدون أي كلمة.. وقف عند الجثة الأولى وجلس في لحظة، ثم بدأ يلتهم وهذه الزمجرة تخرج منه أثناء ما يفعله.



في تلك اللحظة أشارالكاهن إلى الحشود فتعالت الأصوات والصقفات والطبول أكثر، وهذا الكيان يلتهم أحشاء الجثة تلو الأخرى بسرعة جنونية، وعندما انتهى.. وقف الكيان وهمس بكلمات مبهمة للكاهن ثم وقف حيث الحشود أسفل منه ورفع صولجانه فارتفعت أصوات عبيده وصاح صيحة مخيفة هي أقرب إلى زئير لا ينتمي إلى أي كائن حيّ آخر. 

ارتفع عن الأرض وهم ينظرون إليه، وبدأ الجميع يردّد.

- هويتزيلوبوتشتلي.. هويتزيلوبوتشتلي.. هويتزيلوبوتشتلي.. 

الشمس.. إله الشمس.. الحياة.. الحياة..



غاب الكيان في السماء حيث شعر الجمع بضوء الشمس وحرارته أخفّ وطئاً من السابق. لقد زالت اللعنة.. مؤقتاً. تحمسّ الجميع في الأسفل وهم ينتظرون الإشارة الأخيرة من الكاهن، وقد كانت. 

وصلت صيحات الحماس إلى أقصاها وهم يرون أول جثة تُلقى إليهم فوق سُلّم المعبد، وهنا تدافع الناس بعضهم بعضاً للوصول إلى الجثث التي تتوالى سقوطها من الأعلى. من استطاع اللحاق فهو من حظّ الدنيا أقرب، حيث تعالت الصيحات الشرسة وهم يجذبون تلك الذراع من الجثث ويلتهمون تلك السيقان وبدات السكاكين تقطّع أي جزء من الجثث العشرة وسقطت رؤوس الضحايا تحت الأقدام فتدفعها اليافعات والنسوة بأقدامهن لبعضهن البعض قبل أن تلحق إحداهن وتمسك الرأس وتنهش فيها.. الأذن والأنف وتلقيها إلى أخرى وهكذا.. يحمل الرجال الاذرع والسيقان واللحم ويجرون في الأنحاء وهمّ يأكلون ويلتهمون. أما الفتية والأطفال فوجدوا ما تبقى من الجثث من عظام وأحشاء داخلية. 

من كانوا يُطبّلون تركوا الطبول مع الوقت وأسرعوا للحاق بهذا التشريف العظيم؛ ببعض الدماء أو ببعض الأجزاء الأخرى. 

مرّت الساعات والجميع في حالهم الدموي المجنون وهنا وقف أحد الناس وفي يده عظمة قد التهم ما عليها من لحم وصاح لزوجته.

-الشمس ستغيب اليوم. العظيم سيغيب اليوم. 

وكانت تلك الجملة كافية ليترك العظمة من يده، وزوجته وضعت بقايا الأذن في فمها ومضغتها ثم أمسكت يد زوجها والدماء تغرقها وسارا وسط الحشود للعودة إلى المنزل.

وعندما انتبه الجميع إلى الغروب.. كانت تلك الإشارة الإلهية..


-تمت- 


الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

اللهو بالعالم الآخر


 

لطالما كانت عائلة أمي محبّة للرعب، وبما أن معظم طفولتي كانت في منزل الجدّ والجدّة، فأنا عاصرت هذه الأوقات التي كانت فيها خالتي تشتري شرائط الفيديو لأفلام الرعب وكنّا نشاهدها في سهرات جميلة وممتعة بالنسبة لي، والأمر لم يقتصر وقتها على الأفلام بل كانت هناك بعض اللحظات التي تُطفأ فيها الأنوار وأنا في الغرفة، ثم.. تبدأ أمي وخالتي الصغرى وأحياناً خالي في فترة إجازته يصدرون تلك الأصوات من باب إخافتي طبعاً كنوع من أنواع المزاح ولعل هذه الأشياء -الظريفة- هي التي أنشأتني كمحب للرعب وكصانع له أيضاً.

بالطبع كما تلاحظون فإن كل ما سبق مجرّد مقدّمة، والأمر لم يصبح مع مرور الوقت كجزء من التسلية والمتعة العائلية فقط، بل أصبحت هناك بعض التجارب التي ظهرت وعاصرتها في مراهقتي وبداية شبابي ورغم قسوتها ألا إنها حتماً جعلتني أبحث أكثر عن هذا العالم وأدرسه حتى هذه اللحظة..

باختصار... اللهو بالعالم الآخر قد بدأ في تلك الفترة تقريباً التي بدأت فيها الإنترنت ينتشر، ولا أعلم تحديداً من العبقرية التي قرأت مقالاً عن اللعبة الملعونة إياها وفي نفس الوقت قرّرت أن تصنع لوحاً من أجل تجربتها والتواصل مع العالم الآخر.. أهي أمي أم كانت خالتي الصغرى؟!

الويجا: لوح الشيطان

بواسطة Alice Sbrana - عمل شخصي وCC BY-SA 4.0 وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=59645042


نعم.. كانت الويجا هي اللعبة المقترحة التي دخلت العائلة ولم تكن آخر التجارب المخيفة بالطبع. بدأ الأمر بجلب لوح من الكرتون في المنزل وكتابة كل الحروف والأرقام ونعم ولا وإلى اللقاء وصنع المؤشر من غطاء ما، ثم أتى الليل، وبعد نوم أختي الصغرى الطفلة وابن خالتي الرضيع كنت أنا وأختي الوسطى نخرج مع خالتي وأمي وأحياناً جدتي إلى صالة المنزل و... ويجا إن أنتِ هنا.. إذهبي إلى نعم.

و.. عادة ما كانت تذهب إلى نعم وتبدأ الأسئلة حول المستقبل وبعض الهراء وفي نهاية الجلسة كانت (إلى اللقاء).

أصبحت تلك اللعبة عادة شبه يومية في المنزل حتى بدأت أختي الصغرى تلاحظ بعض الكيانات على ما يبدو ويشاركها ابن خالتي.. بالمناسبة أختي الصغرى كانت لها تجارب خاصة في صغرها وربما سأحكي عنها فيما بعد. أما الآن، فأختي وابن خالتي كانا يصرخان ويبكيان وبالأخص عند تشغيل سورة البقرة في المنزل، كما أن الأمر لم يتوّقف عند هذا بل اندلعت المشاجرات بطرق غير مفهومة وبالأخص عند تشغيل القرآن.. أما الأمر وصل إلى حدّته عندما شعرت خالتي بمن ينفخ الهواء خلف أذنها وهنا... علم جدّي بالأمر، وسرعان ما تم التخلّص من لوح الشيطان هذا بحرقه وانتهى كل شيء.. مؤقتاً.

السؤال الآن.. تُرى ما مشكلة لوح الويجا؟

الويجا... من البداية.

في الصين تم العثور على أقدم لوح مشابهة للويجا حيث يعود إلى حوالي عام 1200 ق.م، وفي وثائق تخصّ أسرة سونغ في عام 1100 ميلادياً تم العثور على لوحة فوجي وهي أقدم لوح ويجا بشكلها الحالي وكانت مصممة للتواصل مع عالم الموتى والأرواح.

By Photo taken by User:Vmenkov. Painter's name is not known to the photographer. Although there is a fair amount of signage around the temple complex, this painting (or other individual paintings in the templs) did not carry the date or author name that I could see; but signs do say that the temple itself is several centuries old. - Self-photographed, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=4920372

ظهور هذه الممارسة قديماً لم تكن تقتصر عند الصينيين فقط، بل وُجدت في الإمبراطورية الرومانية والهند وفي أوروبا العصور الوسطى أيضاً.. ولكن كانت كل هذه الممارسات تندرج تحت بند ممارسة السحر والشعوذة واختفى الأمر لعقود وقرون طويلة حتى ظهرت اللوح من جديد، ولكن هذه المرّة بشكل تجاري كلعبة للتسلية وللتميّز الطبقي الأرستقراطي في الصالونات!

By Elijah Bond (1847–1921) and Charles Kennard (1856–1925) - Museum of Talking Boards, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=88555005

نعم، ففي 1 يوليو 1890 أطلق رجل الأعمال الأمريكي إيليجا بوند لوح الويجا بشكلها الحالي في الأسواق، وأصبح الحصول عليها مزية يتم الافتخار بها كلعبة غير مؤذية حتى وصلنا إلى الحرب العالمية الأولى حيث استخدمها الروحاني الأمريكي بيرل كوران كأداة للتكهن، وأعاد للعالم الفرصة للنظر إلى اللوح كوسيلة للتواصل مع عالم الأرواح والأشباح والجنّ والشياطين من جديد وعلى مرّ العقود اللاحقة تم الترويج للويجا على إنها لوح الشيطان فعلاً في الأفلام والأعمال الفنيّة، فنرى لوح الويجا في فيلم (طارد الأرواح الشريرة 1973The Exorcist ) كسبب مباشر في المسّ الشيطاني للطفلة في الفيلم حيث كانت تلعب باللوح وحدها وبناء على هذا تواصلت مع الكابتن هاودي كما أقنعها ولكنك تعلم بالتأكيد كِنه هذا الكابتن هاودي، كما أن هناك العديد من الأفلام التي روّجت للوح وحملت الاسم نفسه (ويجا) وفي تلك الأفلام يتم الترويج لقواعد الويجا نفسها مثل: لا تلعبها بمفردك. إلعبها في الظلام أو في ضوء شمعة. لا تلعبها في مقبرة أبداً. احرص على أن تقول إلى اللقاء بعد الانتهاء من اللعبة وتأكد من أن الروح وافقت على هذا...


على الرغم من سوداوية الويجا ألا إنها واجهت انتقادات علمية من علماء النفس وخصوصاً فيما يتعلق بتحرّك المؤشر بشكل تلقائي عند وضع أطراف اليدّ عليه حيث ينتقد علم النفس الافتراض القائل أن الأرواح هي التي تحرّك المؤشر، ويردّ علم النفس قائلاً.. الرغبة اللاواعية لللاعبين هي التي تُحرِّك المؤشر.

لم يتوّقف الأمر في العائلة عند الويجا فقط.. فمادام هناك إنترنت جديد فلماذا لا نلهو بأعمارنا وراحتنا العقلية ونجرّب؟ أظن أن هذا السؤال كان يتردد -بتصرّف ساخر- في ذهن من اقترح الممارسة التالية..

الملاك الحارس: شمعة التحضير

By Anonymous Russian icon painter (before 1917)Public domain image (according to PD-RusEmpire) - http://macdougallauction.com/Indexx1113.asp?id=292&lx=a, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=35574473

هل تصدقوني إن قلتُ لكم إني لا أعلم ما الذي حدث حتى تقرّر العائلة تجربة هذا الأمر؟ لوهلة حدث التجمّع العائلي في غرفة سواء عند منزل الجدّ والجدّة أو في منزلنا وتبدأ طقوس غريبة لا أذكر منها سوى الشمعة التي يرتفع لهبها من حين لآخر وبعض الحسابات التي من خلالها يتم استخراج.. من هو ملاكك الحارس الشخصي؟ الكيان -الطيب؟- الذي سيجيبك عن كل أسئلتك وستستشيره في كل أمورك -فقط لو انتظروا بضع سنوات لرأوا الذكاء الاصطناعي الذي غطّى كل هذه الجوانب- والذي يرافق روحك الطيبة.

في الحقيقة أذكر أن هذه الفترة وأثناء الجلسات رأينا بعض الأمور الغريبة مثل إدعّاء جدتي أنها وجدت ملاكها الحارس وهو الأخ الذي مات في طفولته، كما إدّعت قريبتنا أن ابنتها الميّتة هي ملاكها الحارس.. وهذا باعتبار شعبي شائع بأن الأطفال الموتى هم عبارة عن ملائكة في العالم الآخر.

https://pixabay.com/photos/statue-angel-child-3392713/

وطبعاً كلنا نعلم أني لم أكتب هذا إلا لأشير إلى كارثة من نوع ما.. بالضبط فإن ما تبيّن أنه الملاك الحارس لجدّتي هو ليس كذلك، وأعتقد أن أقلّ درجات العلم بالعالم الآخر كانت ستوّفر عن هذه العائلة مثل هذا الاستنتاجات!!

تقول جدّتي أنها عندما تنام وتضع الغطاء عليها، تشعر بمن يزيح عنها الغطاء.. والظريف في القصة أنها مازالت تعتبره أخيها الميّت -رغم رعب الفكرة نفسها- وتقول له: لا وقت للعب الآن يا أخي.. أريد النوم. 

ما الذي حدث بعد ذلك؟ مع مرور الوقت زادت المخاوف بشأن هذا الأمر وبالتالي نسينا تلك الجلسات والحديث في مثل هذه الأمور..

يأتي السؤال: ما أصلاً الملاك الحارس؟

الملاك الحارس: المعقبات!

By unknown, similar to works by Fridolin Leiber - German postcard 1900, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=9459140

لفظة الملاك الحارس نفسها تم ذكرها في النصوص المسيحية كإشارة إلى الكائنات النورانية والتي تقوم بحراسة الانسان وعونه بتكليف من الربّ ووضعت المسيحية أيضاً دليلاً للعثور على ملاكك الحارس الشخصي باسمه وصفاته ومع هذا يشير البعض أن من الممكن أن يكون الملاك الحارس الواحد مكلفاً لحراسة مدينة أو شعباً بأكمله، وظهرت في القرون اللاحقة العديد من الكتب والمذاهب التي تضع طُرقها الخاصة للتعامل مع الملاك الحارس سواء بطريقة دينية أو فلسفية أو حتى من خلال الكتب التي تتحدث عن السحر الهرمسي أو حتى عقيدة الثيلما السحرية التي ابتدعها (كراولي).

By Pseudo-Peter de Abano - Heptameron (1565), Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=138969462

لم يقتصر الملاك الحارس على المسيحية أو الفلسفة والسحر، بل نجد (أردا فرافاش) الملائكة الحارسة المقدسة في الزرادشتية؛ حيث يرافق كل شخص ملاكه الحارس ويدّعمه. نجد أيضاً في العهد القديم والنصوص اليهودية الأخرى ذكر الملائكة التي تحرس البشر وترافقهم وتعينهم بالدعم وأنهم رسلاً من الله لمراقبة البشر وصلواتهم وأعمالهم، كما أنهم من العناصر المهمة لتوصيل دعاء الناس إلى الله!

أما الإسلام فهناك المُعقّبات الذين يتعاقبون على الإنسان لتسجيل أعماله من خير أو شرّ، ويحلّون محلّ بعضهم في الليل والنهار فملائكة النهار تخلف ملائكة الليل وهكذا  ولذلك اسمهم المعقبات ويضمّ عملهم التعاقب على حفظ ورعاية الإنسان وحراسته بإذن الله مما هو خارج أمر الله ولا يتخلّى عن الشخص الملائكة إلا عند الموت.

حسناً...

هل للعلم والدين كلمة؟

By Michael Faraday - The Illustrated London News 1853-07-16 Vol 23 Issue 633, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=68413526

سأبدأ بالحديث عن العلم الذي يخضع للتجريب والأبحاث النفسية، وبالتالي ما عثرت عليه من كلمة العلم هو الرفض التام لهذه الأمور ويرجع العلم الأمر فيما يخص بالويجا مثلاً إلى -كما أشرت من قليل- الوهم وتدخل العقل اللاواعي أو تأثير الحركة الموّجهة اللاإرادية Ideomotor effect فيما يرتبط بالتحكم بمؤشر اللعبة.. أما فيما يخصّ بفكرة تحضير الأرواح والحديث عن الغيبيات والظواهر المخيفة التي حدثت، فالعلم يقول أن تركيز الشخص على فكرة معينة، يصبح عقله أكثر استعداداً لتفسير أي حدث على إنه دليل على هذه الفكرة وهذا هو الوهم أو تأثير البلاسيبو مثلما حدث مثلاً في ربط تشغيل القرآن بصراخ الأطفال بالتفسيرات الخارقة للطبيعة. أما تفسير العلم لظاهرة الملاك الحارس وتحضير الملائكة والأرواح الطيبة، فإن العلم يرفض مثل هذه الأمور نظراً لعدم قياس وجود الملائكة ولا الأرواح وأيضاً هنا تتدخل ظاهرة هلوسات ما قبل النوم أو أحلام اليقظة Hypnagogic Hallucinations و هلوسات ما بعد الاستيقاظ Hypnopompic Hallucinations نتيجة ظاهرة شلل النوم Sleep Paralysis وهذا في تفسير ما حدث لجدتي حيث أن استعداد جدّتي النفسي وخوفها وتوّترها نتيجة الجلسات والفكرة اللاواعية جعلها أكثر قبولاً لخداع عقلها وإيهامها أن الغطاء تم ازاحته من عليها بسبب الروح أو الملاك رغم أن هذا لم يحدث؛ إنها مجرد تجربة شعورية تنبع من العقل الذي فسّر أحداث فسيولوجية وحركات الجسد اللاإرادية أثناء النوم والتي أزاحت الغطاء بهذا التفسير المصحوب بمخاوف واستعدادات نفسية مخيفة نتجت عنها هذه الهلاوس.

بواسطة هنري فوسيلي - wartburg.eduimage وملكية عامة وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=1170857

كما رأينا فإن العلم مُعقدّاً ومخيّب للآمال ورغم أنني لم أستوعب معظم هذه التفاصيل -لأنني كنت أدبي- فالحديث عن رؤية العلم من الزاوية الأوسع، تجعل هناك ثغرات فكرية عديدة فيما يخصّ الجانب الغيبي. كما هو مفهوم، فإن العلم لا يهتم بهذه الأشياء، والاعتماد فقط على نظرة العلم ستخلق مشكلة إيمانية حقيقية؛ فرفض وجود الجنّ والروح والشياطين والملائكة لإنهم لا يمكن قياسهم وتجربتهم يعني حتماً رفض وجود إله من الأساس؛ ولهذا ينبغي ترك كلمة العلم جانباً والذهاب إلى الدين الذي يمثل عندي الغيبيات لنعرف كلمتهم..

تتفق كل الديانات الإبراهيمية في البدء على فكرة واحدة.. التعامل مع العالم الآخر والمستقبل هو نوع من أنواع السحر والسحر تم تحريمه في هذه الأديان ومختلف العقائد والشرائع في العالم. فكرة الويجا نفسها هي فكرة حاربتها المسيحية في بدايتها لإنها تتعامل مع الأرواح الشريرة والشيطان ويرفضها الإسلام بشكل قاطع لأنها تتعامل مع الجنّ أوالقرين الشيطان على الأقل الذي يسعده الاستيلاء على أفكارنا وإخافتنا بشتّى الطرق.

بواسطة مارتن شونجور - http://www.abcgallery.com/S/schongauer/schongauer12.htmlimage وملكية عامة وhttps://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=1008230

أما فكرة الملاك الحارس، فعلى الرغم من أنها مثبتة في الديانات السماوية والزرادشتية، وعلى الرغم من إباحة التواصل وتسخير ملاكك الحارس في المسيحية ألا إن الإسلام يرى أن الملائكة لا يمكن تسخيرها والتواصل الواعي معها، كما أن الله قد خلق الملائكة ينفذون أمره وهو أمر المعقبات بحفظ البشر.. إذن فهذا الحفظ لا مفرّ منه ولست بحاجة إلى طلب هذا بالسحر -الكفر- أو بتقنيات، ولستُ مطالباً كمسلم أن تعرف اسم الملائكة التي تحفظك، كما أن الإسلام يُحرّم كغيره من المعتقدات فكرة التحضير نفسها حتى لو كانت لغاية مثل التواصل مع الملائكة، لأن الإسلام يقول أن التواصل الواعي مع الملائكة قد يفتح للشياطين الطريق للتواصل معك بدلاً عنهم وخصوصاً لو كانت جلسات غامضة مثل تلك التي جربتها عائلتي، حيث غرفة مظلمة وشمعة ولهب يرتفع عند التحضير! هذه ليست ملائكة ولا أرواح أطفال بالطبع..

أه.. وبالحديث عن روح الأطفال، فالإسلام يرفض فكرة تحضير الأرواح من الأساس؛ لأن الروح من أمر الله وتصعد إلى خالقها بعد الوفاة ولن تتواجد على الأرض.. إذن.. من الذي يخدعنا على إنه روح فلان الفلاني؟ يقولون أنه القرين الذي يعلم كل شيء عن الشخص في حياته، ويقولون -ببساطة- شيطان يخدع ويتسلّى...

والآن.. سأقول..

ختاماً وتلخيص لكل ما سبق

بالطبع لا أحتاج إلى أن أقول لك وأكرّر أن هذه الممارسات هي لعنة بالمعنى الحرفي للكلمة بناء على تجربتي وتجارب العديد من الناس والتحذيرات الخاصّة بهم، ولو لم تهمّك هذه التجارب أو التحذيرات فماذا ستقول عندما أخبرك أن هذه الممارسات هي استحضار للشياطين وللجن وهذا هو تعريف السحر وأنت تعلم –إن كنت تتبع أي ديانة- أن السحر... كُفر. قد لا تكون عائلتي وقتها على علم بهذا الشيء ولم يكن السحر نيتنا، بل كانت الإثارة والتجريب هي المحرّك وأعتقد أننا استحققنا في النهاية كل شيء قد مرّ بنا ولعلّه كان التطهير والحافز الذي دفعنا إلى التوبة وطلب الرجاء وترك كل ما قد يدّمرنا ويجلب لنا الشرّ.

المصادر وللمزيد: 

ويجا

ideomotor effect

Hypnagogic Hallucinations

شلل النوم

الملاك الحارس

المعقبات

الملاك الحارس- ويكيبيديا